|
مقالات -
مقالات اجتماعية
|
|
أحمد المطوّع
|
|
20/04/2005 |
نسب مختلفة ومدلولات متفاوتة في استعمالاتنا اليومية لكلمتي ( هات ) و( هاك ) ، فكل على طبائعه وصنائعه ، لا يهمنا وفرة تداولهما وكثرة تواردهما فالمرء حقه مكفول بالأولى ، و واجب عليه منوط بالثانية ، ولكن الأهم أهلية الكلمتين لتبوأ مواضعهما في مواطن الأحاديث وإصابة الناس في ترديدهما بما يناسب مواقعهما دون تطفيف .
فالكثير يعرف ( هات ) وأخواتها بل عماتها وخالاتها ولكن تظل ( هاك ) مخلوعة بلا أخوات ، لأن - والحق يقال - نزعة الإنسان بسجيتها متهمة دائما بعشق ( هات ) قبل ( هاك ) وبعضهم لا يفهم معنى الأخيرة فضلا أن تجدها مفردة في قاموس تعاملاته ، صحيح أن المكثر من( هات ) لايضيره اتهاما بإلحاحاته الطلبية ، فله من الحقوق ما تبرر له المناكفة من أجل ( هات ) ثم ( هات ) و( هات ) كثيرات ، ولكن عساه ألا يتناسى أو يتعامى بجمود كفه عما عليه لغيره من ابتدار( هاك ) فلا يتنصل ويتملص بما استوجب عليه بذله ، ومن عرض ماء وجهه لكل من يصدفه بإشهار( هات ) ثم لا يقايض على ما قبضه بإسداء ( هاك ) وهوعليها قادر ، فإن كان إنسانا فهو جائر بائر يقتات ارتزاقا على عطايا ( هات ) دون أن يجهد نفسه ولو بقليل من ( هاك ) التي هو لها كاره ، فهنا يسن لومه للؤمه .
أما القلة من الذين ما تلوثوا بجشع أو طمع أولوا ( هاك ) ولاية أولوية على ( هات ) وقليل ماهم ، فتلحظ على أحدهم كيف تغمره انتعاشة الراضي متى ما قال لغيره ( هاك ) أو قيل له ( هات ) ليغدق ويغرق بجميل منحه و صفحه ، وهو لنفسه عن ( هات ) مستغن ومكتف و بينه وبين حظوظه عند الناس اكتفاء وغنية ، وعند لقياك يستشف من حالك ما احتجت إليه من ( هات ) ليباغتك بإنعامه( هاك ) ويسترقك بفضله قبل سؤلك ولا تلميح منك أو تصريح بعوزك، بل هو إحساس له تكلل وذوق منه تأصل ، فلا يضره أبدا لو أسبل عليك أيادي ( هاك ) دون تفكره أو تذكره بما له عليك من ( هات ) ، ولو ضاقت عليه الدنيا برمتها ما سأل أحدا ( هات ) حياء وإلحافا .
الكفاف في المسألة يكون في العدل الذي يزن مثقال كل ( هات ) بمثقال ( هاك ) فقد ضبط ميزانه وكفتيه باستوائهما ، فمتى ما قيل له : ( هات ) ، قال : ( هاك ) ثم أنت ( هات ) ولو بعد حين ، ومتى ما لقي من أحد ( هاك ) قال : شكرا وانتظر( هاك ) مني ، فهذا قد استوفى ماله وماعليه بلا زيادة منه أوانتقاص ، وما زلنا بخير لو اكتفينا بهذا نهجا والتزاما ، فهو أسلم من بخس الحق وأكرم من ظلم الخلق ، ولاتنس أنك في نفس الحين الذي تنتظر من الناس ( هات ) فهو لهم بمثابة ( هاك ) ، ومتى ما تكرمت عليهم بـ ( هاك ) فذاك وقت مثولهم لك بـ ( هات ) ، فالفعل واحد و لكن تقاسم الأدوار دائر والتبادل بين الهات والهاك سائر .
وليس بالضرورة أن تكون الإيجابية كلها في ( هاك ) ، أوالسلبية دوما رابضة في ( هات ) ، أحيانا نصرخ ( هات ) وفي طي المعنى ( هاك ) أو نطلق ( هاك ) مستقصدين ( هات ) ، فـ ( هاك ) رشوة لا تعني خيرا و( هات ) رأيك لا إلى شر تشير ، ولا قانون جامد في كلتيهما يصلح لكل حال فإن المقام يخصه مقاله ولكل حصول محصول ، فلك الإنعام تارة ولك الإحجام أخرى .
ولسوء الطالع اصطلحت بعض الأفهام على سقم منها بأن عملية الأخذ والعطاء تكمن في الماديات وحسب ، أي أن ( هات ) و( هاك ) تتعطلان إلا في العد والحساب ، و كأن الحقوق كلها من النوع المحسوس والممتلكات جلها من الشيء الملموس ، فالأوضاع المشاهدة تنقل بلسانها أحوال الناس اللاهثة وراء التطلاب المادي وفقط ، فهو منتهى ( هاتهم ) و( هاكهم ) ، وكأن استحقاقاتهم الطبيعية التي وجدت بوجودهم تتلاشى تحت إغراءات المقعد الوثير أو تندثر في سافلين أبسطة الحرير أو غرقت بين ترهلات الشحم المتلاطم ، فالتعبير أمام الدنانير يلجم ، والأرض تشترى بأثمان الذمم ، والرأي يتضاءل أمام أصفار الملايين ، ألا إنها أصفار وقابضها الصفر لتساوي بعد التقسيم صفرا .
ولا شك أن الكرم الجزل هو أبهى صورة لتجليات ( هاك ) في كينونة ما واستغلابها لمعايب طغيان ( هات ) ، ومعاذ الله أن ينصح المرء بالشح لتحذيره من عطاءاته في خدمة البشر من حوله فالكرم في كل خير ، إلا في حالتين قد يتلبس على المرء تعاطيهما أو يتنازل بهما عن مستحقاته بذريعة التكرم فيهما: في دفع مظلمة أو جلب محقوق مستحق ، فلا كرم في التسويغ لضديهما ، فإن تينك ليس فيهما ما يشكل من استبدال ( هات ) و( هاك ) ، فعند بخس حقك لا تقل : نعم ( هاك ) حقي باسم التفضل والرضا ، فتلك هي بلية البلاهة ، وعند شرعيتك لأخذ ما كفل لك لا تقل : صدني الحياء و تمنعتني المروءة من تكرار( هات ) فيما هو لي ، فتلك والله رزية السفاهة ، تماما كمن قال لك : ( هاك ) صفعة على خدك الأيمن ، فلا تقل : ( هاك ) خدي الأيسر ، بل له قل : ( هات ) أنت خدك الأيمن ، فتعطيه بالمثل حقه و حظه من تورد الخدود ولا تنس التأدب في الطلب لتوفيه حسابه .
ما أبدع خيال الإنسان في تبرير ترك حقه الذي هو عنه أصلا لتحصيله غير مقتدر ، فما امتطاه غيره إلا لركوعه لأنه أحل ( هاك ) محل ( هات ) ، وما أخصب استدلالاته عند تمثيل دورالمحق حين يبغي و يجور في معايش الآخرين ليبقي ( هات ) بقاء ( هاك ) ، فلا فض فو المنطق المنكوس ولا ارفض ذوالفهم المعكوس .
تتبعات Trackback(0)
 |
أحمد المطوّع |
| نبذة عن الكاتب |
| |
|
أخي الكريم: حماك الله تعالى ورعاك، ومن فضله وخيره حباك.
مرحبًا بكتاباتك - ونتطلع للمزيد - والشكر للدار التي جمعتنا بك.