|
مقالات -
فكر وفلسفة
|
|
هارون يحيى
|
|
26/06/2005 |
لنشرح هذا الموضوع بالرجوع إلى تفسيرات بعض المفكرين والعلماء حول الموضوع. يقول المفكر المشهور والحائز على جائزة نوبل فرانسوا جاكوب Francois Jacob فيما يتعلق بالرجوع بالزمن إلى الوراء.
تسمح لنا الأفلام التي يتم إرجاعها إلى الخلف بأن نتخيل عالما يسير فيه الزمن إلى الوراء. عالما ينفصل فيه الحليب من تلقاء نفسه عن القهوة ويقفز من الوعاء ليعود إلى آنية الحليب؛ زمن تصدر فيه الأشعة من الجدران لتجتمع في مركز ضوئي عوضا عن تدفقها من منبع ضوئي؛ عالم يقفز فيه الحجر إلى راحة اليد بفعل اتحاد قطرات من الماء لا حصر لها تدفع بالحجر خارج الماء. في عالم كهذا يكون للزمن خصائص معاكسة، تجري العمليات في دماغنا وطريقة جمع المعلومات في ذاكرتنا بنفس الطريقة المعكوسة. الشيء نفسه ينطبق على الماضي والمستقبل وسيبدو لنا العالم تماما كما هو الآن42
دماغنا معتاد على سلسلة معينة من الأحداث، من هذا المنطلق لا يتحرك الكون كما ذكرنا سابقا، ونزعم أن الزمن يسير دائما إلى الأمام . مع ذلك هذا قرار يأخذه الدماغ وهو قرار نسبي. في الحقيقة نحن لا نعرف كيف يسير الزمن وما إذا كان الزمن يسير أم لا. هذا يعني حقيقة: أن الزمن ليس حقيقة مطلقة، بل نوع من الإدراك.
أثبت فيزيائيو القرن العشرين مثل "ألبرت أينشتاين"، ولينكولن بارنت اLincoln Barnet الذي كتب كتاب "الكون والدكتور اينشتاين" نسبية الزمن. يقول هذا الأخير في كتابه:
مع الفضاء المطلق يطرح أينشتاين مفهوم الزمن المطلق - الزمن الكوني الثابت الصلب اللامتغير المتدفق من الماضي اللامحدود إلى المستقبل اللامحدود. الجزء الأكبر من الغموض الذي يحيط بالنظرية النسبية ينشأ عن ممانعة الإنسان لإدراك الشعور بأن الزمن مثل الشعور باللون نوع من الإدراك. تماما كما أن الكون يمكن أن يكون نظاماً من أشياء مادية، كذلك فإن الوقت نظام من الأحداث. من الأفضل شرح ذاتية الزمن بكلمات أينشتاين نفسه، "تظهر لنا تجربة أحد الأشخاص مرتبة في سلسلة من الأحداث. في هذه السلسلة يتم ترتيب الأحداث المفردة التي نتذكرها حسب مقاييس المبكر والمتأخر. لذلك يتواجد للفرد الوقت الذاتي. هذا بحد ذاته غير قابل للقياس. يمكنني أن أربط أرقاما مع الأحداث بهذه الطريقة يرتبط الرقم الأكبر مع الحدث الأخير وليس بالحدث المبكر.43
أشار أينشتاين نفسه، كما جاء في كتاب بارنت، إلى أن: "الزمن والمكان نوعان من الحدس الذي لا يمكن أن ينفصل عن الشعور كما هو إدراكنا للّون والشكل والحجم. وحسب النظرية النسبية فإن "ليس للزمن وجود مستقل بعيدا عن ترتيب الأحداث التي نقيسه بها".44
وبما أن الزمن يتكون من إدراك فهو يعتمد على مدرك وهو لذلك نسبي .
تختلف سرعة الزمن حسب المرجع الذي نستخدمه للقياس لأنه ليس هناك ساعة طبيعية في الجسم الإنساني تحدد بدقة السرعة التي يمر بها الزمن. كتب لينكولن بارنت: "كما أنه لا يمكن رؤية اللون بدون عين، كذلك لا يمكن أن يكون هناك ساعة أو دقيقة أو نهار دون حدث".45
في الأحلام تبدو نسبية الوقت واضحة. فبالرغم من أن ما نراه في أحلامنا يبدو وكأنه استغرق ساعات، فهو حقيقة لم َيطُلْ أكثر من دقائق أو حتى ثوان.
لنأخذ مثالا يوضح الموضوع أكثر. لنفترض أننا وُضعنا في غرفة فيها نافذة واحدة وبقينا فيها وقتا من الزمن. وليكن هناك ساعة يمكن من خلالها أن نقيس الوقت الذي يمضى. وفي نفس الوقت يمكن أن نرى شروق الشمس وغروبها في فواصل معينة. بعد عدة أيام يمكننا أن نعطي جوابا عن سؤال يطرح علينا نحدد فيه كمية الزمن الذي أمضيناه في الغرفة معتمدين على كل من عدد المرات التي أشرقت فيها الشمس، والساعة التي نأخذ منها الوقت بين الحين والآخر. على سبيل المثال كانت مدة جلستنا في الغرفة حسب تقديرنا ثلاثة أيام. ولكن إذا جاء الذي وضعنا في هذه الغرفة وقال لنا إن الشمس التي كنا نراها من خلال النافذة كانت من مصدر اصطناعي، آلة استثارة مثلا، وأن الساعة تم ضبطها بشكل متسارع، عندها يكون التقييم الذي أجريناه خاطئا.
هذا المثال يبين لنا أن المعلومات التي نحصل منها على نسبة الزمن تعتمد على مراجع نسبية. نسبية الزمن حقيقة علمية تمت برهنتها بواسطة مذهب علمي.. تقول نظرية أينشتاين للنسبية العامة: تتغير سرعة الزمن اعتمادا على سرعة الشيء وحالته في حقل الجاذبية. وعندما تزداد السرعة ينقص الزمن وينضغط : ويتباطأ وكأنه سيتوقف.
لنشرح هذا من خلال مثال طرحه أينشتاين، قال: لنفترض وجود توأمين أحدهما موجود على الأرض والآخر في الفضاء يسافر بسرعة قريبة من سرعة الضوء. عندما يعود المسافر سيجد أن أخاه قد أصبح أكبر منه بكثير. السبب أن الزمن يسير ببطء أكثر بالنسبة للمسافر بسرعة قريبة من سرعة الضوء. لنتأمل والدا مسافرا في الفضاء وابنه موجود على الأرض. إذا كان عمر الأب عندما سافر 27 سنة والابن ثلاث سنوات، فعندما يعود الأب إلى الأرض بعد ثلاثين سنة (من زمن الأرض)، سيكون عمر الابن قد أصبح 33 سنة بينما عمر الأب 30 سنة فقط.46 هذه النسبية في الزمن ليست بسبب تسارع أو تباطؤ الساعات أو نابض الآلة، بل هي نتيجة لفترات العمل المتمايزة لكامل نظام وجود المادة، التي تسير بسرعة تعادل سرعة جزيئات أصغر من الذرة. بتعبير آخر، إن قصر الزمن بالنسبة للشخص الذي يتعامل معه لا يشبه صورة العمل بالحركة البطيئة. في وضع يتباطأ فيه الزمن، تتم العمليات الحيوية مثل نبضات القلب، انقسام الخلايا، الوظائف الدماغية بصورة أبطأ من أبطأ إنسان يتحرك على وجه الأرض. مع ذلك يستمر الإنسان في حياته دون أن يلاحظ قصر الزمن. في الحقيقة لا يمكن أن يظهر تناقص الزمن إلا بالمقارنة |
هارون يحيى |
| نبذة عن الكاتب |
| |
تتبعات Trackback(0)
|
وفق الله كاتبتها ومترجمها وناشرها.
عصر العلم الذي نعيشه،
لا يمكن أن نفلح به بالأفكار النظرية دون العلمية من هذه النوعية الفريدة :smart: