|
لماذا لا تلعنُ الملائكةُ الرجالَ! |
|
|
|
|
مقالات -
مقالات شرعية
|
|
د. محمود الكبيسي
|
|
15/03/2007 |
يحمل الأزواج أحاديث كالسياط يجلدون بها ضعف الزوجة ، ويستدرجونها إلى ما يريدون لتكون طيعة ، هينة لينة بين أيدهم . كلما تململت ذكَّروها بحديثٍ يُحَمِّلُها مسؤولية هذا التململ ، ويخوفونها عذاب الله ـ عزَّ وَجَلَّ ـ وسخطه ، ولعنة الملائكة ، وعدم قبول الصلاة ، ومن ذلك : حديث أبي هريرة ، عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله سلّم ـ أنه قال : ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت ، فبات غضبانَ عليها ، لعنتها الملائكةُ حتى تُصبِحَ)) . وفي رواية : ((إذا باتت المرأةُ مهاجرةً فراشَ زوجِها لعنتْها الملائكةُ حتى تَرجِعَ))، متفق عليه .
وقريب من هذا قوله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : ((ثلاثةٌ لا تُرفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا : ... وامرأةٌ باتت وزوجها عليها ساخط)) . الحديث رُوِيَ عن أكثر من صحابي ، وكلُّ الأسانيد فيها مقال ، لكن يبدو أن للحديث أصلاً . ومثلهما حديث طَلْق بن عليٍّ ، أن الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قال : ((إذا الرجل دعا زوجته لحاجته فلتأته ، وإن كانت على التنور)) . الحديث في سنده مقال ، لكن حسنَّه بعض المحدثين . والحديث الأول يشهد له . وقوله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : ((ما ينبغي لأحدٍ أن يسجد لأحد ، ولو كان أحد ينبغي له أن يسجد لأحدٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ، لما عظّم الله عليها من حقِّه)) . الحديث صححه الألباني ، وفي النفس من هذا التصحيح شيءٌ ، ليس المقام مقام بيانه . وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ((أيُّما امرأةٍ سألتْ زوجَها طلاقَها من غير بأسٍ ، فحرامٌ عليها رائحةُ الجنَّة)) . والحديث حسن ، أو صحيح . أنا لست ممن يدعو إلى تمرد المرأة على زوجها ، فالسعادة كلَّ السعادة في التوافق ، واحترام كلٍّ من الزوجين الآخر ، وتحقيق كلٍّ منهما رغبة صاحبه . ومن المعلوم أنَّ من أكبر نعم الله ـ عزَّ وَجَلَّ ـ على الرجل أن يرزق زوجة صالحة تطيعه إذا أمرها ، هينة لينة ، تستقبل زوجها إذا قدم ببسمة ، وتهدهده من مشاق الحياة بمداعبة ، وتودعه بقبلة وتستقبله بأخرى ، وهو يبادلها الحب بالحب ، والأنس بالأنس . ولقد عبّر القرآن الكريم عن الرابطة الزوجية ، تعبيراً يرقى بهذه الرابطة إلى مستوى عالٍ جداً ، فقال ـ تعالى ـ : {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ ، وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}. فكل واحدٍ من الزوجين لباسٌ للآخر ، ومن المعروف أن اللباسَ : زينةٌ ، وجمالٌ ، وحمايةٌ ، ودِفءٌ ، وسَترٌ .
لكني قديماً توقفت كثيراً عند هذه الأحاديث التي تطالب الزوجة بحق الزوج ، وتهدد الزوجة التي تسخط زوجها باللعنة ، وعدم قبول الصلاة و... و... . وكنت أقول : لماذا لا تلعن الملائكة الرجل الذي أرادته زوجته إلى الفراش فأبى ؟ مع أن المرأة عندها ما عند الرجل من الرغبة في الفراش ؟؟ وهل الرجل الذي أرادته زوجته إلى الفراش فأبى ، فباتت ساخطة عليه لا تقبل صلاته ؛ لأنَّ من حِكَم مشروعية عقد النكاح إحصانُ الرجلِ والمرأة ؟؟ ولماذا حرامٌ على المرأة أن تطلبَ ـ مجرد طلب ـ الطلاقَ من زوجِها ، وحلالٌ على الرجل أن يُطَلِّقَ زوجتَه دون سببٍ ، وأكثر ما ورد من تهديدٍ للرجل الذي يطلق حديث : ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق)) [وهو حديث ليس بصحيح] ، مع أنَّ الأذى الذي يلحق بالمرأة بالطلاق أشد من الأذى الذي يلحق بالرجل ؟؟؟ فالأذى الذي يلحق بالرجل ماديٌّ ، والمعنويُ قليلٌ ، ومن السهل عليه أن يعوض هذه الزوجة بزوجة أخرى ، بينما أذى المرأةِ المطلقةِ : قدحٌ في السمعة ، وتضييقٌ في الحركة ، وإسلامٌ إلى المجهول . واحتمالات التعويض لديها أقلُّ من الرجل بكثير .
مصدر هذه الأسئلة ومصدرُ هذه الأسئلة ـ من وجهة نظري ـ خطأٌ في فهم النصوص ، وعدمُ وضعها في سياقه الحقيقي ، دأبْتُ عليه أيَّامَ الصِّغَر اتباعاً لما دَأَبَ عليه أكثرُ علماء المسلمين إن لم يكن جميعُهم . ورغم أن العلماء ـ رحمهم الله ـ ينبهون إلى أنَّ النصوص الشرعية عامة في الرجال والنساء إلا أنهم حين يأتون إلى نصوص كهذه تخاطب النساء يخصونها بالنساء . يقول ابن العربي في أحكام القرآن (3/1367) تعليقا على قوله ـ تعالى ـ : {قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ، وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} يقول : ”قولٌ عامٌّ يتناول الذكر والأنثى من المؤمنين حسب كل خطاب عام في القرآن ـ على ما بيناه في أصول الفقه ـ إلا أن الله ـ تعالى ـ قد يخص الإناث بالخطاب على طريق التأكيد“ . وقد ذكر ابن رشد الحفيد في البداية (1/172) حديث سمرة بن جندب : أنه قال : ((صليتُ خلفَ رسولِ الله ـ صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسَلَّمَ ـ على أمِّ كعبٍ ، ماتت وهي نفساء ، فقام رسول الله ـ صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسَلَّمَ ـ على وسطها)) . قال ابنُ رشد : ”فمنهم من أخذ بحديث سَمُرةَ بنِ جندبٍ للاتفاق على صحته ، فقال : المرأةُ والرجلُ في ذلك سواءٌ ؛ لأن الأصل أن حكمَهما واحدٌ ، إلاّ أن يثبت في ذلك فارقٌ شرعيٌّ“ . ويقول ابن القيم في أعلام الموقعين (1/92) : ”قد استقرَّ في عرف الشارع أن الأحكامَ المذكورةَ صيغة المذكرين ، إذا أطلقت ، ولم تقترن بالمؤنث ـ فإنها تتناولُ الرجالَ والنساءَ“ . وهنا نتساءل : إذا كان الأمر هكذا فلماذا خصصت تلك الأحاديث بالنساء ؟ فإني لم أجد واحداً من العلماء ـ فيما رأيت من مصادر قديمة أو حديثة ـ ذكر أن الأحاديث المتقدمة التي تخاطب النساء هي ـ في الوقت نفسه ـ خطاب للرجال ، بل كل ما اطلعت عليه هو التوجه بهذه الخطابات إلى النساء ، فقط!!!! ألم يقل الله ـ عزَّ وَجَلَّ ـ : {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} ؟ هل تحمل هذه الدرجة كلَّ هذه الامتيازات للرجل ؟ إذا رجعنا إلى كتب التفسير نجد أنّ العلماء اختلفوا في تفسيرها على أقوال كثيرة ، لعل أقربها ـ فيما يبدو ـ : الطاعةُ ، أو القوامةُ ، أو أداءُ حقِّها عليه ، وصفحُهُ عن بعض الواجبِ له ، أو عن كلِّه ، يقول ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ : (ما أحبُّ أن أسْتَنْظِفَ جميعَ حقّي عليها ؛ لأنّ الله ـ تعالى ـ يقول : {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}) . وأولى هذه الثلاثة ـ فيما يبدو ـ القوامة ، والطاعة داخلة فيها . أعتقد أنَّ الفهم الصحيح لهذه الخطابات الشرعية ونحوها : أن نفهمها على أنها موجهة إلى الرجل ، كما هي موجهة للمرأة . فالدين جاء لبني آدمَ رجالِهِم ونسائِهِم ، وما جاء بصيغة المذكر هو خطابٌ للذكور والإناث ، وكذا ما جاء للإناث هو خطاب للذكور والإناث ، إلاَّ ما هو من خصائص الجنس ، كالعدة ، والحيض ، والحمل . ”أو إلاّ أن يثبت في ذلك فارقٌ شرعيٌّ“ . كما يقول ابن رشد . فحينما يقول الله ـ عَزَّ وجلَّ ـ : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ، لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}.[المائدة: من الآية105] فهو خطاب للمؤمنين والمؤمنات ، وإن جاء بلفظ المذكر . وحين يقول الله ـ عَزَّ وجلَّ ـ : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ : إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} . [الأنفال:2] فهو خطاب للمؤمنين والمؤمنات ، وإن جاء بلفظ المذكر {الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ} . وهكذا فالنصوص عامة للرجال والنساء ، سواء أجاءت موجهة إلى الرجال ، أم موجهة إلى النساء . وكما أن الأحاديث التي تخاطب النساء هي خطاب للرجال ـ أيضاً ـ فالأحاديث التي تخاطب الرجال هي خطاب للنساء ـ أيضاً ـ : فحين نهى رسول الله ـ صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسَلَّمَ ـ الرجلَ أن يَتَلَمَّسَ عثراتِِ زوجَتِهِ . [أخرجه مسلم] . فإنه نهيٌ للمرأة ـ أيضاً ـ أن تتلمس عثرات زوجها . وحين دعا رسول الله ـ صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسَلَّمَ ـ الشباب إلى الزواج فقال : ((يا معشرَ الشبابِ منِ اسْتطاع منكمُ الباءةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ؛ فإنَّه أغضُّ للبصرِ وأحصنُ للفرجِ ، ومن لم يستطع فعليه بالصومِ ؛ فإنه له وِِجَاءٌ)) . فإنَّ هذا الخطابَ دعوةٌ للشابة ، أيضاً . وحين نبه رسولُ الله ـ صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسَلَّمَ ـ الرجل إلى أنه لا ينبغي له أن يَكرهَ زوجته ، ويفارقها لخلق سيئ فيها ؛ لأنه إن كان منها خلقٌ سَيِّئٌ فلا شكَّ أنّ فيها أخلاقاً حسنةً غيره ، فقال ـ صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسَلَّمَ ـ : ((لا يَفرُكْ مؤمنٌ مؤمنةً ، إن كَرِه منها خلقاً رضِيَ منها آخر)) . [أخرجه مسلم] . فهو تنبيه للمرأة ـ أيضاً ـ أن لا تكره زوجها لخلق سيء فيه ، إن كرهت منه خلقا رضيت منه آخرَ وحين قال رسول الله ـ صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسَلَّمَ ـ : ((إنّ مِنْ أشرِّ الناسِ عندَ الله منزلةً يومَ القيامةِ ، الرجلَ يُفضِي إلى امرأتِهِ ، وتُفضِي إليه ، ثُمّ ينشرُ سرَّها)) . [أخرجه مسلم] مُحَذِّراً الرجل أن يُفْشِيَ سرَّ لقائه زوجته في الفراش ، فهو متوجه بالتحذير إلى المرأة ـ أيضاً ـ أن تُفْشِيَ سرَّ زوجِها . لكن ربما هناك سؤال هو : لماذا يأتي الخطاب موجهاً إلى أحد الجنسين ؟ الجواب : أنه قد يكون المقام الذي قيل فيه هذا الحديث ، أو ذاك ـ هو الذي اقتضى ذلك ، ونحن نعلم أنَّ النبي ـ صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسَلَّمَ ـ يجيب السائل بما يتناسب مع حاله . لكن ـ مع الأسف ـ سبب ورود أكثر الأحاديث غير معلومة لنا . فربما يكون هناك رجل شكا زوجته لرسول الله ـ صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسَلَّمَ ـ أنها لا تستجيب له ، فقال : ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت ، فبات غضبانَ عليها ، لعنتها الملائكةُ حتى تُصبِحَ)) . أو أنه ـ صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسَلَّمَ ـ جرى على الغالب ، وهو أنه غالباً ما تكون المبادرة بالطلب ـ لأسباب متعددة ـ من الرجل ، فكان المناسب أن تكون الدعوة للمرأة أن تستجيب . وربما جاءته ـ صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسَلَّمَ ـ زوجة تطلب فراق زوجها ، دون أي مسوِّغٍ لهذا الطلب ، فقال لها : ((أيُّما امرأةٍ سألتْ زوجَها طلاقَها من غير بأسٍ...)) . وربما شكا زوج زوجته بنشوزها عليه ، وعدم طاعتها له ـ لا سيما في مجتمع الأنصار الذي كان تغلب فيه نساؤُه رجالَه ، كما يقول عمر عن الأنصار ـ فقال ـ صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسَلَّمَ ـ لتلك الزوجة : ((لو كان أحد ينبغي له أن يسجد لأحدٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها...)) . وأخيراً ، إذا كان ما زعمتُهُ من عموم هذه النصوص صحيحاً : فلماذا ـ إذن ـ نخاطب بتلك الأحاديث المتقدمة النساء ، ولا نخاطب بها الرجال ؟؟؟ لماذا نقود بتلك الأحاديث المرأة إلى الرجل ، بينما الرجل على عرشه ينتظرها أن تأتي رغبةً ، أو رهبةً ، ولا نقود بها الرجل إلى المرأة؟؟؟ هل ـ فعلاً ـ صدق علينا قول القائل بأن الفقه ذكوريٌّ ؟ هل كان هذا لخلو الساحة ـ مع الأسف ـ من نساء فقيهات ، يتكلَّمْنَ بلسان النساء ، وَيَفْهَمْنَ الأحاديث التي تتحدث عنهنَّ بأحاسيسَ تختلف عن أحاسيسِ الرجل ؟ وأخيراً ـ مرة أخرى ـ : هل سنجرؤ على أن نقول : إن الرجل الذي يُطَلِّقَ زوجتَهُ من غير بأسٍ ، حرامٌ عليه رائحةُ الجنَّة ؟ وهل سنجرؤ على أن نقول : إن الرجل الذي تدعوه زوجته إلى الفراش ، ولا يستجيبُ لها ـ دون عذرٍ نفسيٍّ أو شرعيٍّ ـ فباتت غَضْبَى عليه ، لعنته الملائكةُ حتى يُصبِحَ ؟ لماذا لا تلعنُ الملائكةُ الرجالَ؟ |
د. محمود الكبيسي |
| نبذة عن الكاتب |
| الدكتور : محمود مجيد سعود الكبيسي. إجازة التدريس في المعاهد الإسلامية المتخصصة/وزارة الأوقاف/بغداد . بكالوريوس لغة وشريعة/كلية الآداب/جامعة بغداد . |
| تابع القراءة >> |
تتبعات Trackback(0)
|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
قبل قليل ـ ولعله أمس ـ كتبت تعلقا على مقالك الرائع (تخصيب الأدعية…) !
والآن أطللت علينا بهذه الرائعة ، وبإبداع لم تسبق إليه ، وبفكر مستقلٍّ ، وتجديد محترم ، وإبداع رَزِنٌ ، وفهمٍ للنصوص راقٍ وعجيب .
وقد اطلعت على موقعك (http://www.fatwa4u.net/fatwa/) في الفتاوى فازددت إعجابا بما تقدم .
نعم نحن ورَّاث فقه ذكوري بل ما تعني هذه الكلمة من معنى ، وعبيد تقديس للماضي بكل ما تحمله العبودية من معنى ، وأسرى فهمٍ محترمٍ قدسناه .
نحن تخضع رقابنا لإرهاب فكري مسلط علينا ، من يخرج عن الموروث من اجتهادات فهم مبتدع ، ومن يتجاوز قول عالم له مكانته فهو عاقٌّ . ولله الأمر من قبل ، ومن بعد .