لعل القاريء الدرويش والذي لايفقه كثيراً بأمور الفن -مثلي- ، يقف حائراً من عنوان المقال، لايعرف لأي منها معنىً ولاوصفاً. كنت كذلك إلى أن حضرت مجموعة من المهرجانات الإنشادية، وقام بعض الإخوة مشكورين بشرح كل مصطلح لي على حدة.
أعلم أن الحفلات والمهرجانات أقيمت لكي يتواصل الجمهور مع من يحبون. وليتواصل الفنان مع من يحبه. وأعلم أيضاً أنه وعلى خشبة المسرح، يكون أجمل ما في الفنان عفويته، وسرعة بديهته، وتفاعله مع الجمهور، ربما يعيد بيتاً عشرات المرات، وربما لا يكمل نشيداُ لأنه رأي من عيون الجمهور أنها ليست لهذا المكان ولا لهذا الزمان.
النجاح الحقيق برأيي، هو النجاح خلف الكواليس، وعلى المسرح، وبين الناس،أمام الكاميرا، وخلفها. سواءً أكان ذلك النجاح فنياً بحتاً، أو به جانبٌ أخلاقي تربوي.
أعرف منشداً من المنشدين، يرفض أن يحدد الأناشيد التي سينشدها في حفل حتى يعرف طبقة الجمهور، أعمارهم، ومستواهم الفكري، وآخر يرفض أن يحدد حتى يرى الجمهور بعينه، يصعد على المسرح، ويلقي التحية، ثم يلقي بإشارة للفرقة، ويبدأ القطار بالمسير في سكة لا اعوجاج فيها.
وأعرف منشدين ومهرجانات لا تقام إلا بمبدأ تحريك الشفاه.
ذات ليلة أصطحبني أحدهم لحضور حفل إنشادي لمجموعة من المنشدين، وعندما وصلنا وأخذنا أماكننا بين الحضور:
الذي بجانبي: هل لاحظت أن أدء المنشد (بلاي باك) ؟
أنا: كيف ذلك ؟
الذي بجانبي: لاحظ جيداً، فالمنشد لا يتكلف كثيراً وملامحه غير منسجمة مع النشيد.
أنا: أشك بأقوالك!
بدا لي أن جاري أعلم مني وأفهم، عندما جاءت إحدى المقطوعات التي يظهر فيها صوت المنشد شبه معزوف، نظر إلي وغمزني.
أنا: كان من الأجدر به أن يضع يده على اللاقط، ليوحي لنا أن ثمة سحراً يخرج منها.
أصبت بإحباط شديد ، فلم آتِ لأستمع شريطاً تسجيلياً، وشفاهاً تتحرك همساً. أتيت لأستمع لصوت طبيعي غير معزوف ومصفى ومنقى في الاستديو.
المضحك في الأمر، أن الموجودين على المسرح من كوررال ، وإيقاعيين، يحاولون أن يلعبوا الدور صحيحاً ، بتحريك الأيادي والشفاه.
صار دورنا وبلحظة بدلاً من متفرجين ومستمعين، متصيدي أخطاء.
- الكورال ساكتون وصوتٌ جماعي يخرج من السماعة!
- الإيقاعيون وماسكو الدف، يحركون أيديهم بسرعة أكبر من التي نسمعها.
- أحدهم يتثاوب.
- والآخر يضحك.
باختصار فقدنا متعة (اللايف)، ودخلنا في أجواء (البلاي باك). وربما دخلنا أجواء الحفلات التنكرية.
قال لي صديقي الأغر - حفظ الله طوله - وأبقاه باب معلوماتٍ لي:
- الـ (لب سينك) غير متجانس ؟
- وماهو ذاك ؟
- Lips Synchronization - أي تطابق الشفاه، مابين ماتسمع وتراه أمامك؟
- صحيح.
- هذا خطأ كبير ، في مثل هكذا وضع، يجب أن يكون التسجيل (ماينس واحد) (-1)
- كيف؟
- إن كان لابد من (البلاي باك) فيجب أن تكون أصوات الكورال والإيقاعات موجودة، ويسحب منها صوت المنشد. ليترك لنا قليلاً من المتعة وهو يؤدي مقطوعته على المسرح.
- وهذا مالم يحدث؟
- نعم
بعد حفلة من الاستعراضات، وحلقة حوارية فنية مع من كان بجانبي، خرجنا من المسرح وأنا أسأل نفسي:
ماذا لو أن جهاز التسجيل لم يكن يعمل يومها، هل سيرفض المنشدون أن يؤدوا أناشيدهم على الهواء مباشرة؟
الحق يقال أن جهاز التسجيل أعجبني جداً. ومعلومات صديقي أيضاً. هذا كل ما كان هناك. |