|
تــَواصُـــل |
ملحوظة: إذا اشتركت قبل تاريخ 15 يوليو 2008 يرجى إعادة الاشتراك، فهذه القائمة جديدة.
كتابة الهاتف النقال اختيارية. وفي حال كتابته،
يرجى ذكر رمز الدولة قبله دون أصفار أو فواصل، مثلا 9651234567 |
|
|
|
مقالات -
مقالات اجتماعية
|
|
يحيى أبو زكريا
|
|
06/10/2003 |
حتى الطيور تفرّ من وطني
ولا أدري السبب
حتى الكواكب والمراكب والسحب
حتى الدفاتر والكتب
وجميع أشياء الجمال
جميعها ضدّ العرب
- نزار قبّاني -
عندما سئل الكاتب الجزائري طاهر وطّار لماذا لا تغادر الجزائر مادامت الرصاصات الطائشة تطاول الكتّاب والمبدعين في الجزائر , أجاب قائلا :
أنّه لن يغادر الجزائر لأنّه ككاتب وروائي يعيش حدثا كبيرا ومعقدّا ومتداخلا ودراميّا وقد يكون هذا الحدث ضروريّا لعمل روائي جبّار , وربمّا رواية طاهر وطّار الشمعة والدهاليز فيها الكثير من تداعيات الوضع الجزائري وللأسف كانت الشمعة واحدة فيما الدهاليز لا حصر لها , وواقعنا العربي يحتاج إلى مئات الشموس لا الشموع لتبديد الظلام الحضاري الذي يلف واقعنا في كل تفاصيله .
أعترف أنني لم أكن أملك وجهة نظر وطّار , فالوحي الإبداعي يتأتى للمبدع في أي رصيف في الوطن أو المنفى , و أنا بحكم تكويني الأدبي وعالمي الشعري ومنطلقي في تقديس إنسانيّة الإنسان أتضررّ للغاية عندما أرى منظر الأجساد الممزقّة والرؤوس المقطوعة والدماء المراقة في كل رصيف , و دائما كنت أرددّ لماذا يتحارب أبناء جلدتي بالخنجر والسيوف والبنادق والكمائن , لم يكن في وسعى أن أتأمل عيون الجزائر وهي تبكي بدل الدمع دما عبيطا , فقد كنّا على الدوام نحلم بجزائر عملاقة لا وجود فيها للأحقاد والضغائن والصراعات السياسية والعرقيّة والدينية وغيرها , كنّا نتصوّر أنّ ثورة المليون ونصف المليون شهيدا ستعصم الجزائر والجزائريين من الإنزلاق بإتجّاه الهاويّة .
وقد لعبت أمي دورا كبيرا في خروجي من الجزائر , حيث قالت لي : أن أراك غريبا مشتتّا في بلاد الناس , تائها في الفلوات بإتجّاه القارات الخمس خير لي من أن أراك مذبوحا من الوريد إلى الوريد .
لكن من أنا حتى يكون الموت هاجسي , والقتل كابوسي واللون الأحمر مع أني لا أحبّ اللون الأحمر كثيرا هو الوحيد الذي يتراىء لي .
إننّي ككاتب ومبدع أزرع الحياة فلماذا أقابل بالموت !
أغرس البنفسج فلماذا يغرز الخنجر في قلبي !
أنشر في الناس مبادئ حبّ الوطن فلماذا أنا بلا وطن , بلا عنوان , بلا جغرافيا , وحدها الأرصفة وطني , و حدها قصائد الحزن سلواي وعزائي !
إننّي أدعو إلى المحبّة فلماذا أقابل بالكراهية ! أدعو إلى الحوار والمصالحة فلماذا يريد المتقاتلون والمتباغضون أوصياء الأرض وأوصياء السماء أن يصفّوا حساباتهم على جسدي هذا !
إنني أدعو إلى أن نرقى إلى مستوى الحوار الحقيقي , أن نتعلم كيف نحلّ مشاكلنا بالنقاش الهادئ والتفاوض الإنساني الحضاري , لا بالبندقيّة والعنف والسجون والمعتقلات وإختطاف الناس من الشوارع والعنجهية والعصبيّة المقيتة .
هذا الفريق سنده الدستور في جواز القتل وهذا الفريق سنده السماء في جواز القتل , ولكن هل كتب السماء السمحة والدساتير الإنسانية الراقية تنص على القتل والقتل فقط , على الذبح والذبح فقط , على الحرب و الحرب فقط . أشكّ في ذلك وأجزم أنّ أهواء الإنسان في وطني الجزائر هي التي تملي عليه قناعاته .
عندما نمعن النظر في حضارات الشعوب نجد أنّ كل الحضارات تقدّس الأدباء والمبدعين والمفكرّين و المنتجين للكلمة والفكر , وهذه الحضارات الراقيّة تكرّم الأحياء قبل الأموات , وفي وطني الجزائر وفي أوطاننا العربية والإسلامية أن تكون صاحب كلمة وإبداع فمصيرك بين قتل خسيس بالشفرة نعم بشفرة الحلاقة كما حدث مع أحد الكتّاب الجزائريين , وقتل بالفأس تارة وبكاتم صوت , وبين سجن في أعماق الصحراء حتى يموت المبدع نسيّا منسيّا , وإن لم يمت بلدغ العقارب مات بلدغ الحيّة , وإن نجا منهما فحرّ الصحراء و ظمأها كفيلان بقتل المبدع ببطئ وبالتقسيط , وإذا نجا المبدع من هذا وذاك فأمامه المنفى وما أدراك ما المنفى حيث الضياع والتيه والدخول في المجهول وإجتثات من الأرض , وعلى المبدع أن يختار هذه المصائر أو مصيرا واحدا على الأقلّ .
ثمّ إذا كانت هذه هي المصائر التي تواجه المبدع , فكيف يا ترى يبدع ! وما سمة النتاج الأدبي الذي ينتجه يراع الكاتب المحكوم عليه بالموت لا لشيئ سوى كونه كاتبا , فالكاتب في الجزائر و بلادنا من بغداد إلى تطوان إذا مال إلى السلطة قتلته المعارضة , وإذا مال إلى المعارضة قتلته السلطة وإذا بقيّ حياديّا قتله الإثنان معا .
مبدئيّا يجب القول أنّ الكتابة في ظل رائحة الموت وجزّ الرؤوس تصبح إنتحارا , تصبح سباحة ضدّ التيّار , تصبح أقصر طريق إلى اللحد , ولذلك يكون النتاج الأدبي والإبداعي لكاتب يعيش هذه الظروف عظيما عملاقا , ويلحق هذا الإبداع بمصاف الإبداعات الإنسانيّة الخالدة والإبداعات الحضاريّة الكبرى في تاريخ الفكر البشري . والرائحة المنبعثة من هذا النتاج الأدبي هي رائحة الموت , رائحة الرعب , رائحة القبور واللحود , رائحة الكافور الذي يوضع في كفن الميت ساعة قبره , ولهذا كلّه يكون هذا النتاج الأدبي أشبه بوصيّة , أشبه برثاء , أشبه بتوديع , و يشعرك هذا النتاج الأدبي أنّ صاحبه يشعر أنّ بينه وبين القبر أو السجن أو المنفى مسافة كلمة , مسافة جملة , مسافة بيت من الشعر .
لكن كيف ترقى أمة إلى الرقيّ الحضاري إذا كانت الكلمة التي هي مدماك الحضارة وفي البدء كانت الكلمة تؤدّي بصاحبها إلى الموت , إلى المنفى , إلى المشنقة .
ومهما كانت الأخطار فإنني أعتقد أنّه في حرب السيف والقلم , الكتاب والبندقيّة , الفكرة والخنجر , السلام والعنف , العقلانيّة والعنجهيّة , في آخر المطاف سينتصر القلم والكتاب والفكرة والسلام والعقلانيّة و أخر الكلام ما قالته الشاعرة الجزائريّة حبيبة محمدي:
بلاد تقتل البنفسج وتنحر
ثمّ تقرأ إنّا أعطيناك الكوثر
وآخر الكلام ما قاله نزار القبّاني
كلماتنا في الحبّ تقتل حبنّا
إنّ الحروف تموت حين تقال . |
يحيى أبو زكريا |
| نبذة عن الكاتب |
| الاسم : يحيى أبوزكريا مواليد : 23 سبتمبر- أيلول 1964 ، في منطقة باب الوادي بالجزائر العاصمة. صحفي وباحث وكاتب جزائري |
| تابع القراءة >> |
تتبعات Trackback(0)
|
|
|
معكم في معرض الكتاب في الكويت
صالة 6 - ركن 67
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته
|
|
شذرات من الحكمة |
|
“كمال الحرية بكمال العبودية” |
|
في الدار |
|
يوجد الآن 4 ضيوف يتصفحون الموقع |
|
ثانياً : أنا أؤيدك في الهرب من الديار و اللجوء إلى المنفى بعيداً عن القهر و التعرض لأجهزة القمع و التعرض للقهر و الذل اليومي ليحافظ المرؤ على إنسانيته و كرامته وعلى أولاده ، رغم مرارة أن يقتلع الإنسان نفسه من جذوره . و لست أدري و لعلي بالأحرى مخطئ هل يمكننا الاستشهاد هنا بالآية الكريمة رقم 100 من سورة النساء : و من يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كبيراً و سعة .
ثالثاً – حين ذكرت أن أمك الكريمة قد لعبت دوراً كبيراً في خروجك من الجزائر ، ذكرتني بأمي و هي واقفة على فيللتنا و هي تستحثني على سرعة ركوب السيارة وسرعة السفر ، وهي التي ما كانت تطيق فراقي لحظة. كان تظن المشوار قريباً و اللقاء قريباً .و كان ذلك هو المشهد الأخير و لكن لم يكن لهذه اللحظة ما بعدها . اختفى صوت أمي للأبد و لحقها أبي ولم يبق في البيت أحد فهدموه و أقاموا مكانه عمارة . كانت أمي تكتب لي : رضي الله عليك بعدد أوراق الشجر ، رضي الله عليك بعدد الحصى و الرمل ، رضي الله عليك بعدد أنفاسي الطالعة و النازلة ... حتى انتهت أنفاسها رحمها الله ، ومر على ذلك أكثر من عشرين عاماً و لم ينته مشوار السفر.
أسأل الله أن يعود السلام للجزائر و أن تعود و أولادك – و كل مهاجر - للجزائر و أن ترى أمك و أهلك بخير. أما أنا فإن عدت يوماً فسوف أذهب لأسأل عن قبر أمي و أبي ، لأقف عليه علّي أتحسس منهما شيئاً ، ملتمساً أن تسكن روحي قليلاً إن وقفت على القبر وقرأت و تصدقت و تفكرت و سلّمت و فوّضت .
فاكتب أنت في الغربة ما شئت و أنت بإذن الله سالم غير مقتول .