|
مقالات -
مقالات عامة
|
|
د. جاسم الفهيد
|
|
05/11/2003 |
إذا كان المرء لا يجد غنى عن محاورة أبناء جنسه لما في ذلك من الفوائد والمنافع، فمن البدهي أن تعظم حاجته إلى حوار يجريه مع ذاته بين الفينة والأخرى، بل إن الحاجة الى مثل هذا الحوار لتغدو أشدّ وأمسّ، فالنفس البشرية عالم زاخر يزدحم بالعواطف والمشاعر ويموج بالهواجس والخواطر التي تعتلج فيما بينها فأيها كانت له الغلبة بسط سلطانه ومدّ رواقه على سلوك المرء وطباعه:
وتحسب أنك جِرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر!
ومع تسارع عجلة الحياة وتعاقب الأحداث والصوراف واصطباغ النشاط الإنساني - بصفة عامة - بالصبغة المادية النفعية فإن الكثيرين يغفلون عن أهمية الحوار الذاتي ودوره الفاعل معتقدين أنه ليس إلا هدراً للوقت في عالم من الخيال والأوهام، وقد يتساءلون على سبيل الاستبعاد: وما الحاجة الى مثل هذا الحوار؟ وأي فائدة تُجنى من ورائه؟ إن الحوار الذاتي يمثل بوابة النفس البشرية للانطلاق نحو تحقيق غاياتها الأخروية والدنيوية، فهو السبيل الذي يوفر المرء فهما سليماً وتصوراً دقيقاً لحاجاتها الروحية والمادية، فبه تؤسس نقطة البدء بمشروع الاصلاح، ومنه تنطلق الخطوة الأولى في مسيرة التغيير تحت شعار: افهمْ نفسك أولاً!.
وهذا الشهر الروحاني الذي تتجرد النفوس فيه من علائق الدنيا المطغية وشهواتها الملهية يمثل فرصة مؤاتية للخلوة بالذات للذات، لتدلف النفس الى خلوة شعورية تطهيرية تعالج بها ما يعتريها من أدران وآفات، وتستكمل في ضوئها مراتب الفضيلة وقيم السموّ لتستشرف المستقبل بخطى ثابتة تأمن فيها العثار والزلل.
إن التعرف الى معنى (الذات) مفيد جداً في توجيه دفة حوارها، فكثير من علماء النفس يرون أن الذات ليست سوى الأسلوب الذي ينظر به الفرد الى نفسه، إنها تمثل شعوره بكيانه ووجوده، وبعبارة أخرى: هي الصورة التي يرسمها لنفسه من حيث ما تتسم به من صفات وقدرات بدنية وعقلية وانفعالية,ويذهب العالم النفساني (سيموندس) الى أن مصطلح الذات يتألف من أربعة مفاهيم: الكيفية التي يدرك المرء بها نفسه، والصورة التي يرسمها عنها، والآلية التي يقوّم بها نفسه، والروافد التي يُدعّم بها تلك الصورة.
فالحوار الذاتي إذن يمثل وسيلة إصلاح تغييري تسهم بشكل فاعل في تكوين المفهومين الأخيرين المشكّلين للذات: (التقويم) وهو ما ينهض به حوار المحاسبة، و(التدعيم) وهو ما يسعى اليه حوار التعزيز, ويحتل حوار المحاسبة موقعاً متميزاً من الحوار الذاتي لما يقوم به من دور تقويمي للسلوك الفردي عبر المتابعة المنتظمة الحثيثة، فهو أشبه ما يكون بالفحص الطبي الدوري المنتظم الذي يحرص الأصحاء على إجرائه ليحفظوا صحة أبدانهم فيتمكنوا من اكتشاف بواكير المرض ومبادئ السقم ليعالجوها قبل أن يستفحل أمرها ويعظم شرها، والحال كذلك مع أمراض النفس وآفاتها القاتلة حيث يسهل علاجها في بادئ الأمر لأنها متى ما تمكنت منها بطول المدة وسلطان العادة والألفة صعب اقتلاعها وتعذّر اجتثاثها ان المسلم الحريص على سلامة دينه والنجاة بنفسه لا يتوانى عن اقتطاع لحظات من وقته بصورة دورية في نهاية كل يوم أو شهر أو سنة - على الأقل - ليقف مع نفسه وقفة نظر وتأمل فيما قدّم وأخّر من عمل ليستأنف في الفترة التالية ميلاداً جديداً يعاهد فيه ربّه ويوصي نفسه بتدارك ثغرات النقص والقصور واصلاح مواطن الخلل والضعف، نعم انها وقفة قصيرة زمنياً غير أن آثارها عظيمة مباركة يدركها كل من خاض هذه التجربة من الحوار الذاتي الجليل، وفي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد) إشارة جلية الى المبادرة بإجراء ذلك الحوار قبل فوات الأوان. |
د. جاسم الفهيد |
| نبذة عن الكاتب |
| |
تتبعات Trackback(0)
|
فالحرب الشنيعة التي شنتها السلفية الحديثة -الوهابية - على الطرق الصوفية المبتدعة أحرقت الأخضر واليابس وشملت التصوف السني دون مبالاة بحقيقة كونه عِلما ومعلماً إسلامياً راقياً يبحث في تهذيب النفس والتدرج فيها من مراتب " الإسلام فالإيمان للإحسان " وساوته بالمعاداة والرفض بالتصوف البدعي الذي نرفضه لما اختلط فيه من منكرات وبدع وانحرافات .
فمن وجهة نظري - القاصرة - فإن فتح باب التبديع والتصنيف والتفسيق خلال العقدين الفائتين كانت له أضرار كبيرة وكان ضعف الجانب الروحاني والإيماني بما يشمله من تزكية للنفس ومجاهدة لنزعاتها واحد منها ، ولكن و " رب ضارةٍ نافعة " أتت الحملة الإعلامية الأمريكية الجائرة ضد الفكر الوهابي - حسبما أسموه - لتفسح مجالاً للمنابر الإعلامية والشعوب الإسلامية إلى أن تتعرف إلى نوع افتقدناه من الوعظ والإرشاد مثلت أبهى صوره كوكبة طيبة كالحبيب علي الجفري من اليمن السعيد والسيد عمرو خالد من مصر الكنانة ، وفقهما الله للثبات بوجه ما يلاقيانه من حملات الحكومات العلمانية والأقلام الليبرالية من جانب والفتاوى المقيدة والآذان المتصيدة من جانب آخر .
كما لايفوتني التنويه إلى أنني أعي ما يمثله الاستاذ / د.الفهيد من كونه رمزاً إسلامياً معتدل ولكن بلا ميوعة وصلب ولكن ليس إلى حد الكسر ، وأنا - وأحسب الآخرين كذلك - في لهفةٍ لمتابعة الجزء الثاني من هذا المقال النافع .
ختاما : ما أحوجنا العالم لمسلم سلفي في عقيدته صوفي في عبادته إخواني في سياسته ... أو فلنقل محمدي الهوى والهوية بلا إفراط ولا تفريط ، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها " ، وما أحوج المسلم في عصر السرعة والمتغيرات إلى لحظات من التفكير الذاتي الذي أجاد في وصف فوائده كاتبنا العزيز حتى ذكرني بالقول المأثور :
" تفكر ساعة خيرٌ من قيام ليلة " .