في يوم المرأة العالمي: بطاقة تقدير للمرأة العربية

آذار 08 2012

بداية، لا بد لي في يوم المرأة العالميّ أن أبعث ببطاقة تقدير وإكبار للمرأة العربية بعامة في كل الجغرافيا العربية؛ احتراما لدورها المقدس، باعتبارها قلب المجتمع العربي النابض في كل الاتجاهات. هنا، فإنني أخص المرأة الفلسطينية بتحية إكبار وإجلال؛ لكفاحها وصمودها، وتضحياتها المستدامة، وهي تتصدى لأعتى التحديات الاحتلالية وأشرسها. أحييها أمًّا، زوجة، أختًا، بنتًا، ربة بيت، عاملة، طالبة علم، أسيرة في معتقلات الاحتلال. وأدعو الله عز وجل أن يتغمدها برحمته الواسعة شهيدة مأواها جنة الرضوان.

الثامن من آذار/ مارس من كل عام؛ إنه يوم المرأة العالمي، هو يوم في حقيقته مكرّس لإبراز منظومة التحديات التي كانت ولا تزال شرائح عريضة من نساء العالم يشعرن أنهن يواجهنها على كافة الصعد الحياتية، وفي المقابل استعراض إنجازات ومكاسب حققتها المرأة على مدى عام منصرم، أو أهداف ما زالت تسعى لترجمتها على أرض الواقع، وقد وضعتها نصب أعينها بغية تحقيقها.

الواقع أن هذا اليوم يخص كل النساء في العالم، ويبحث قضاياهن المختلفة بصورة عامة، والمرأة العربية تحتفل به كونها جزءًا من المنظومة النسائية العالمية. ليس ثمة ما يحول دون الإحتفال به على المستوى العربيّ بعامة، والفلسطيني بخاصة مع الأخذ بعين الإعتبار خصوصية المرأة العربية.

ليس بالضرورة أن كل ما تعانيه، أو تحلم به وتسعى المرأة الأوروبية، أو الأميركية، أو سواهما إلى تحقيقه من أهداف، يمكن أن ينطبق بحذافيره على المرأة العربية في العالم العربي، حتى وإن كانت بعض المشكلات والأهداف قد تقاطعت، فلا يعني هذا أنها كلها تتقاطع، نظرا لاختلاف مخرجات الفلسفة العامة التي تدين بها المجتمعات الإنسانية المختلفة. في اعتقادي أنه من السابق لأوانه الحديث عن مظلة العولمة الشمولية في هذا الصدد.

إن الواقع العربي فيما يخص المرأة العربية يفرض أن يُفرز لها يوم عربي خاص بها تحتفل به بغية إبراز قضاياها مباشرة في قلب الساحة العربية، وليس على هامش احتفالات العالم بهذا اليوم، ولا يعني هذا عدم المشاركة فيه. مرة أخرى لا يعني هذا الطرح الإقلال من قيمة المرأة العربية، أو الانتقاص من قدرها لا سمح الله، وإنما تهيئة ساحة عربية خاصة بها وبقضاياها في عقر العالم العربي، وبين مواطنيه أصحاب الشأن.

هنا يجب الإقرار أن هناك قضايا ساخنة تخص المرأة العربية بعامة، والفلسطينية بخاصة لا ينبغي السكوت عنها، أو الالتفاف عليها، أو حتى تجاوزها، ولعل أهمها وأخطرها أن لا يظل المجتمع العربي مجتمع رجال فقط، وهي قضية تخضع للمتغيرات في العالم العربي، وتسير في اتجاه إيجابي مقارنة مع فترات سابقة.

في هذا السياق، لا أحد ينكر أن المرأة العربية، قد حققت إنجازات ومكاسب كثيرة في العديد من المجالات. إن المرأة العربية قد أخذت تنطلق إلى آفاق لم تكن تتسنى لها في السابق. إنها انطلاقة تقضي ولو شيئا فشيئا على بؤر التباين والتفاوت في المكانة والحقوق العامة بينها وبين الرجل جراء تطور في النظرة العامة للرجل العربي تجاه علاقته بالمرأة على خلفية عدة اعتبارات: أهمها التعليم، والمكتسبات الثقافية، واتساع مساحة الوعي العام، وبهذا الصدد لا يمكن الإغفال عن منظومة الموروث العقائدي التي تلعب دورا هامًّا هي الأخرى.

هنا لا ينبغي التركيز على الرجل، باعتباره العنصر المانح تأشيرة مرور للمرأة، دون ذكر إنجازات حققتها المرأة العربية في مجالات التعليم، والثقافة، والوعي العام لحقيقة شراكتها، ودورها في تطوير المجتمع. إذ لولا هذه الإنجازات لظلت المرأة العربية حبيسة جدران التخلف التي كانت مفروضة عليها ردحًا من الزمن، وتحديدًا فيما يخص الحقوق السياسية كحقها في تقلد المناصب السياسية في مؤسسات السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية. إن نضال المرأة هنا مشروع، ويفترض ألا يعترض عليه أي معترض، ومع ذلك ننوه أن المرأة العربية لا تشكو وحدها هذا الوضع، بل هي ظاهرة ملحوظة حتى في أرقى دول العالم المتحضر.

في مجمل حقوق المرأة بشكل عام، فلا ينبغي أيضا تناسي أن للمرأة وضعا فسيولوجيا يحد من قدراتها مقارنة بقدرات الرجل، ولكن بشرط أن لا يصل الأمر إلى التفرقة في الحقوق الأساسية، أو إلى حد حرمان المرأة العربية من حقوقها السياسية كاملة. في هذا الصدد ثمة مقولات كثيرة مشكوك بالنوايا التي تقف خلفها، والتي تتمثل في اللمز والغمز على كل ما هو شرقي يمس بمكانة الرجل العربي أو الشرقي بشكل عام.

إن القضية لا ينبغي أن ينظر إليها من زاوية أنها معركة بين الرجل والمرأة؛ إنها ببساطة متناهية منظومة حقوق مشروعة، يمكن للمرأة أن تحصل عليها بأساليب متحضرة تكفلها لها مستويات معقولة من التطور العلمي والثقافي. هنا يتبادر سؤال ملح: لماذا يظل العلم حجة الرجل في الإستحواذ على كامل الحقوق؟ إن العلم بالنسبة للمرأة هو سلاحها للخروج إلى الحياة، وعليها أن تشهره.

هنا لا بد لنا أن نطرح بعض ما  يفترض في اعتقادنا أن تكون عليه العلاقات بين الرجل والمرأة في مجتمعنا العربي بعامة، والفلسطيني بخاصة. إن قضية حقوق المرأة  لا ينبغي لها أن تكون بأية حال من الأحوال مدعاة للتمرد، أو التحريض المستندين إلى صراع على خلفية جنسوية، أو أن تكون تستهدف إبراز السلبيات دون الإيجابيات.

استكمالا، فليس بالضرورة أن ما تشعر به شريحة من النساء من "قهر وقمع" يمكن تعميمه وتطبيقه على كل النساء. في اعتقادنا أيضا أن قضايا المرأة لا يمكن أن تحل في معزل عن الرجل في جو من التشنج، أو التعصب اللذين لا مبرر لهما، والقائمين على سياسة شد الحبال، تغذيها جهات تتخذ من التعصب النسوي "الفيمانيزم" منهجا لها.

إن الحل هنا يفترض به أن يكون مشتركا ومبنيًّا على أسس من التفاهم. وهو بطبيعة الحال تدريجي ويخضع للمتغيرات الثقافية والتربوية والتعليمية والاقتصادية والتوعوية  بشكل عام، ومنوط بما تستطيع المرأة أن تحققه من إنجازات على أرض الواقع وعلى كافة الأصعدة تثبت من خلالها قدراتها وكفاءاتها.

هنا لا ينبغي إغفال نقطة هامة وحساسة للغاية، تخص علاقة المرأة العربية بالمرأة العربية. ففي كثير من الأحيان كانت المرأة سببا مباشرًا لخذلان المرأة، وعدم انطلاقها إلى تحقيق أهدافها. ومثالا -لا حصرا- في قضية الانتخابات، والترشيح لعضوية المجالس التشريعية، أو النيابية، حيث كان بالإمكان أن يكون لها من خلال حضورها دور فاعل وحاسم في سن تشريعات وقوانين تناصر حقوقها.

مع ذلك نؤكد هنا على حقيقتين. أولاهما: أن دور المرأة الثلاثي الأبعاد المتمثل في كونها زوجة وأما وربة بيت، ومدى نجاحها فيه هو الأساس في مكانتها العامة دون أدنى معارضة لمساهمتها في أطر القوى العاملة المنتجة الأخرى. وثانيتهما: أن ما حصلت عليه المرأة العربية خلال نصف القرن الماضي مثير للانتباه، ولا يمكن الإقلال من شأنه أو أهميته، والأهم من ذلك أنه غير متوقف عند حد من الحدود، وأن مساحته العامة آخذة بالإزدياد والتنامي مع الأيام.

إن معيار القوى الجسدية الذي كان يميز الرجل عن المرأة ، قد فقد مفعوله جراء كثير من المتغيرات الحضارية، ذلك أن ثمة قوى أخرى عقلية وإبداعية تلعب دورها، ولا تميز في جنس مبدعها ذكرا كان أم أنثى. وتظل المرأة هي العنصر الأهم والأخطر والأشمل في تربية الأجيال وتنشئتها وبخاصة الذكور منها. وتظل بصماتها التربوية مطبوعة على ذاكرة هؤلاء الذكور، وتتحكم في سلوكاتهم تجاه كثير من الأشياء والمواقف والأشخاص. وأخيرا وليس آخرا، إن المرأة العربية تستحق أن يكون لها يوم عربي خالص يؤكد على عروبة قضاياها ووحدتها قبل عالميتها.

كلمة أخيرة: في يوم المرأة العالمي، نتمنى أن يكون للمرأة العربية يوم عربي على الأجندة العربية، تكرس فيه فعاليات مساندة لكفاح المرأة الذي يجب أن يشارك الرجل فيه، بغية رفع مستواها في كافة النواحي، ولجعل احترام حقوقها ومكانتها ثقافة تسود المجتمعات العربية. هذه الثقافة لا يتسنى لها التكريس، ما لم يبدأ بها من المرأة ذاتها. فهي الأقدر على نشرها، كونها هي العنصر الرئيس في تربية النشء، وتشريبه القيم والإتجاهات الصحيحة. ونحن هنا لا ننكر دور المدرسة والمناهج التعليمية، ولا دور كل شرائح المجتمع المثقفة.

إن المرأة هي روح المجتمع، وبدونها يصبح المجتمع أحادي القطب. بمعنى آخر فإن تطور المرأة هو الذي يقضي على آفات التخلف، ذلك أن المرأة شئنا أم أبينا هي المقياس والمعيار الأساسيان لتقدم المجتمعات البشرية. والمرأة قبل هذا وذاك هي الأم والأخت والإبنة والزوجة والحبيبة. وهي الجمال والرقة بكل معانيهما وأشكالهما. وكل عام والمرأة العربية بخير وتقدم وازدهار. والمرأة الفلسطينية قد تحرر وطنها من الإحتلال البغيض.

 

التدقيق اللغوي لهذه المقالة: أفنان الصالح.

[الــمؤلــــف]

د. لطفي زغلول

أضف تعليق

دار ناشري


© جميع الحقوق محفوظة، دار ناشري للنشر الإلكتروني 2003-2014م، 1424-1435 هـ.
رقم الإيداع في مكتبة الكويت الوطنية:  2008 / 306-4
الآراء المنشورة والممهورة بأسماء كاتبيها لا تعبر بالضرورة على رأي دار ناشري. لمزيد من المعلومات، يرجى قراءة إخلاء المسؤولية.

القائمة البريدية