دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

عُرفت النجوم مُنذ وُجد الإنسان بأنها أجسامٌ نورانية تُرصع السماء , تزيّنها وتضفي عليها ثوبًا لامعًا برّاقا , لها منظرٌ بديع في الليالي السوداء المُظلمة , يريح النفس ويشفي غليل المُتأمل , ومن النجوم ما هو متوهجٌ شديد الضياء , ومنها ما هو خافتٌ بالكاد يرسل أشعته للأرض.

وعند تطور العلوم وازدهارها وظهور علم الفلك , أصبح للنجوم دورٌ آخر غير إضفاء اللمسة الجمالية على السماء , فأصبحت النجوم هي الخرائط التي تحدد للناسِ جهاتهم الأربع , وتدلهم على البلاد والطرق والأمصار , وتهدي الضال منهم في وسط الصحراء فتوصله إلى ضالته , وتم إطلاق الأسماء على النجوم وجعلها أدلة بارزة وعلامات لتسهيل الاستدلال بها .

وأصبحت النجوم كذلك رمزًا للعلو والرفعة والتميز , فمن أتقن شيءً ولمع في مجالٍ ما قيل عنه بأنه نجم , ومن صنع لنفسه المجد والعظمة قيل بأنه جاور الثـُريا أو رصع أسمه بين النجوم .

فكثيرًا ما نقرأ في كُتب القدماء عبارات لوصف العُلماء تشير بأنهم نجومٌ اهتدى بهم الناس , والقادة المُجاهدين بأنهم نجومٌ حرّكت الجيوش , والحُكام العادلين على أنهم نجُومٌ استضاءت بهم البلاد , والعُباد المُصلين بأنهم نجُومٌ نشرت النور في المساجد , وهُم النجومُ حقا .

أما في أيامنا هذه , فقد اختلت الموازين , وقـُلبت رأسًا على عقب , أو اُخترعت موازين جديدة ومفاهيم غريبة , وحوّرت وحرّفت المفاهيم القديمة , فالنجم اليوم هو لاعب الكرة الذي يجري خلفها ليل نهار لهز شباك الخصم وإرضاء الجمهور , وهو المغني الذي يتلفظ بألفاظٍ لا تمت للأخلاق والقيم بصلة بل تتجرد منها كل تجرد , ويتراقص ويتمايل بجانب الفتيات الفاتنات ويقفز ويرقص ويلهب أفئدة المُعجبين , وهو الممثل الذي يشبه المُهرج في لباسه وشكله وحركاته استجداءً لضحك المُشاهد , وهو المُلحن الذي يحتضن بكلتا يديه آلاته الموسيقية ويفني أوقاته على أعتابها بُغية الخروج بلحنٍ أو مقام , وهو مصمم الأزياء الذي يتفنن في إظهار مفاتن الجسد , وتعريته وعرضه , وهو الشاب المخدوع المحبوس داخل أسوار ستار أكاديمي وأخواتها .

اليوم , هُم النجوم الذين ينيرون الطريق , هم القدوات في الشكل والفعل والخُلق , هُم الأمل والطموح , وهم مبلغ الهمة والعزيمة , هم الذين إذا تعثرنا أو تُهنا نرفع رؤوسنا في السماء لنهتدي بهم , وهُم الذين حين تظلم دنيانا يرسلون لنا أشعتهم وأنوارهم , وهُم الذين تهمنا أخبارهم , وصورهم وآخر إنجازاتهم .

هم الذين خلّدناهم إعلاميًا وروحيًا وقيميًا , هم من يصنعون ثقافتنا , ثقافة الكُرة المستديرة , ثقافة الأغنية الهابطة , ثقافة الصورة المُثيرة , ثقافة الجسد المُتعري , ثقافة المشهد الذي يتجاوز كل الخطوط الحمراء والخضراء بل وحتى السوداء !

اليوم أصبحت المرأة التي ترتدي أقصر الثياب من الأسفل , وأخف الثياب من الأعلى , وتجلس بجانب زميلها المُمثل ممسكةً بيده هي الفنانة ( المُحترمة ) القديرة , وأصبح الرجل الذي يصوب قذيفته المدفعية نحو شباك العدو هو البطل الفاتح المغوار الذي جلب المجد لأمته , والشاب الذي يفوز في مسابقة غنائية هو الذي يُعلي شأن مجتمعه ويعزز مكانة دولته بين الدول ويُحتفا به احتفاء الفاتحين الأبطال .

تلك الأمور الغريبة والمفاهيم المُشوّهة الممسوخة ليست قديمة جدًا بل هي لم تطفو على السطح إلا في عصرنا هذا , فلم نسمع في عهد آبائنا تخليدًا لأمثال هؤلاء , بل ما تركوه لنا هو سيّر العظماء والعُلماء والمثقفين والأدباء والشجعان الكُرماء الأبطال , ما ورّثه لنا آبائنا كان هو المجد الحقيقي , والخُلق القويم , والعلم المُثمر , والتاريخ المجيد ..


كثيرًا ما أتساءل , ما الذي سنوّرث نحن لأبنائنا , ماذا سنعطيهم , ماذا سنخلف لهم من موروثٍ ثقافي , إذا كُنا نحن من ورثنا القيم من آبائنا هذه أحوالنا , فكيف بمن سيرث منا هذه الثقافات المؤلمة !

إن كان المجتمع والإعلام والناس يصرون اليوم على أن النجم هو المغني والممثل واللاعب والملحن والمصمم , فأنا أقول بأنهم نجومٌ آفلة , ضوئها مُعتم , والمُهتدي بها سيظل الطريق ولن يصل لغير السراب ! 

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية