دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

مفهوم الثقافة

من المقومات الرئيسية لرقي أي مجتمع وتحضره الثقافة والتعليم ، وقد أولت الشريعة الإسلامية اهتماماً كبيراً لكليهما ، وبمشيئة الله تعالى سوف نلقي الضوء على الثقافة والتعليم في الإسلام : مفهوم كلا منهما ، وأهدافهما ، وأثرهما في الفرد والمجتمع .. وسوف نبدأ بالثقافة ثم نعقب بالتعليم ، والله ولي التوفيق .

أولاً : معنى الثقافة :

لقد تعددت تعريفات الثقافة باختلاف المفاهيم والأفكار والمجتمعات ، إلا أن مفاهيم المفكرين عن معنى الثقافة متقارب إلى حد كبير ، وذلك كالآتي :

(1) هناك من يرى : أن مصطلح الثقافة قد اشتُقّ من إحدى مفردات اللغة العربية وهي "المثقف" والتي تعني القلم المبري وهو أداة للتعلّم ، واشتُقّت هذه الكلمة منها للدلالة على أنّ المثقف يصقل نفسه ويقوّمها ويسويها من خلال تعلم الأمور الجديدة .

وتُعرف الثقافة من الناحية اللغويّة بأنها : تغذية الذهن والفكر بالمعلومات واستنارة العقل المفكر ، وترمز إلى المستوى العلميّ والتعليميّ للفرد ، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى قدرة الفرد ومجتمعه على إدراك المعرفة والعلوم في كافة أمور الحياة ومجالاتها .

وفي الوقت الحاضر كلمة الثقافة تعتبر مفتاح دلالي على مستوى الرقي الذي وصل إليه الأفراد من الناحية الفكريّة والاجتماعيّة والأدبيّة .

 

ومن الممكن أن تتمثل الثقافة بأحد أنواع الفنون ، أو اكتساب صفة كالكرم عند العرب ، أو الدقة في المواعيد ، أو اتباع مراسم خاصة للزواج ، أو الوفاة .

ويعبّر الفرد عن مدى ثقافته التي بلغها ليس فقط من خلال أفكاره إنّما ذلك يتعدى إلى الطريق التي رسمها لحياته بشكل عام .

وقد تعبّر الثقافة عن عادات وتقاليد الشعوب التي تميّزها عن بعضها ، ويشمل ذلك القيم والعقائد والمبادئ واللغة والمقدسات والقوانين والسلوكيّات .

ويمكن تصنيف الثقافة كجزء لا يتجزأ من بيئة حياة الإنسان التي هي من صنعه أساساً واستمدت نشأتها من أفكاره وقيمه ومعارفه ومعتقداته ، كما أنها تتعمّق في كافة تفاصيل حياة الأفراد وتتحكّم بها .

ويمكن وصفها بأنها طريقة أو أسلوب ينتهجه شعب ما ويعيش على أساسه ، وتعتبر روح المشاركة من أهم شروط الثقافة وصفاتها ، على الأقل بين فئة محدودة لكن الأهم وجود المشاركة .

(2) وهناك من يقول : بتعدّد المعاني التي ترمي إليها الثقافة في اللغة العربية ، فهي ترجِع في أصلها إلى الفعل الثلاثي ثقُفَ الذي يعني : الذكاء ، والفطنة ، وسرعة التعلم ، والتهذيب ، وتسوية الشيء وإقامة اعوجاجه ، والعلم ، والفنون ، والتعليم ، والمعارف .

أما اصطلاحاً فتعني ما يلي :

أنها مجموعة المعارف والعلوم والفنون التي من أبرز متطلباتها الحذق . وهي العلم الذي يختص بالبحث في مختلف كليّات الدين ، إذ تُعنى في شؤون الحياة كلها . وهي الإلمام بجميع قضايا التاريخ المهمة والوصول إلى الدرجة العليا ، والرقي في الأفكار النظرية من سياسة وقانون وغيرها . وهي مجموعة من العلوم والخبرات والتجارب الدينية والاجتماعية التي تُسيّر الفرد نحو الوجهة الصحيحة . كما أنها غنى وازدهار فكريّ يقود عقل الفرد للجمع بين الثقافات المختلفة والتنسيق فيما بينها ، وذلك من خلال صقل الفرد لمواهبه بالمعرفة ، والعلوم ، وممارسة التراثيات الأدبية والفنية والفكرية . وأخيراً فهي مجموعة العادات والتجهيزات التي يكتسبها الإنسان من المجتمع كونه عضواً فيه ، متمثلةً بالمعارف والعلوم والمعتقدات والفنون والأخلاق والحق .

(3) وهناك من يقول : أن الثقافة تعني : صقلٌ للنفس والفطانةٍ والمنطق ، وهي كلمةٌ عربيّةٌ عريقة ، وردت في المعجم بمعنى (الحذق والخفةِ والفطنة) ، والمثقف لغةً : القلم المبري ، ومن هنا تم اشتقاق المصطلح مثقّف ، لأنّ المثقف يقوّم ذاته من خلال السعي المتواصل والدؤوب لتعلم أمورٍ جديدة .

وقد استُخدمت كلمة ثقافة للدلالة على كم التطوّر والرقي الفكري والأدبي والاجتماعيّ للفرد والجماعة على حدٍ سواء ، فالثقافة هي عبارة عن نظريّة في السلوك ، ولا يقتصر إطلاقها على مجموعةٍ من الأفكار ، وهذا الأمر يساعد كثيراً على رسم طريقٍ وهدفٍ للحياة بشكلٍ عام ، وذلك ضمن نطاق الطابع العام في المجتمع .

وتعتبر الثقافة واحداً من الوجوه التي تميّز كل مجتمعٍ عن غيره من المجتمعات بكل ما يحويه هذا المجتمع من عقائد وقيم ومبادئ ولغة وسلوكيّات وقوانين ، بالإضافة لمقدّساته وتجاربه ، وبشكلٍ عام فإنّ الثقافة: هي مركّب يتضمن جميع العقائد والمعارف والأخلاق والفنون إضافةً للعادات .

ويستخدم مصطلح الثقافة للتعبير عن عددٍ من المعاني الأساسيّة وهي : الشعور والتذوّق المتفرّد والمتميّز بشتّى أنواع الفنون الجميلة ، هذا بالإضافة إلى اشتمالها على العلوم الإنسانيّة ، وهنا تكون الثقافة عالية المستوى .

فالثقافة : هي عبارة عن نمطٍ كامل من المعرفة الإنسانيّة ، كجميع السلوكيّات والاعتقادات التي تعتمد على التعليم الاجتماعيّ ، والتفكير الرمزيّ .

وتُطلق الثقافة أيضاً على عددٍ من الاتجاهات والأهداف المشتركة كالأهداف والقيم وعددٍ من الممارسات التي تميّز جماعةً معيّنة أو مؤسّسة أو منظمة .

مظاهر الثقافة :

للثقافة عدة مظاهر أبرزها ما يلي :

المظاهر الرمزية : وتشكل علوم الحساب ، واللغة ، والموسيقى .

المظاهر المعنوية : وتتمثّل بالعناصر الثقافية التي يتم إدراكها بالعقل والفكر مثل العادات والدين .

المظاهر النفسية : تتمثّل بالمشاعر والتوجهات العاطفية من حب وكراهية للشخوص والأشياء .

المظاهر الاجتماعية : وتشكّل سلسلة العلاقات بين أفراد المجتمع .

المظاهر المادية : تتمثّل بالعناصر المادية التي تستخدم الحواس كوسيلة للإدراك مثل وسائل الإنتاج .

مكونات الثقافة :

- الأفكار : وهي ما يكتسبه الفرد من البيئة التي يعيش فيها ، ويقتنع بها تماماً ، ونتائج عمليّات معالجة يقوم بها الدماغ .

- العادات : هو نهج يعتمده مجتمع ما في تأدية أشياء معيّنة وفق طرق معتادة وخاصة .

- اللغة : وهي الوسيلة التفاعليّة بين أفراد المجتمع الواحد ، وهي عبارة عن طريقة بالكلام يتم التعبير عنها بواسطة رموز كلاميّة خاصة .

- القانون : وهو مجموعة من الإجراءات ، والقواعد التي تنظّم حياة الأفراد وسلوكهم .

- الأعراف : هي مجموعة من الأفعال تكرر حدوثها ، وفعلها حتى اعتاد عليها أفراد المجتمع ، وأصبح من اللازم القيام بها .

عناصر الثقافة :

العموميّات : وتمثل العنصر الأساسي في الثقافة ، وهي عبارة عن عناصر عامة يتشارك فيها الأفراد في مجتمع ما ، وتوضح أبعاد الشخصية القومية التي يتخذها كل مجتمع من خلال العادات والتقاليد والقيم والدين ، وكما تشمل أيضاً ما يبديه الفرد من استجابات عاطفية ، وأنماط سلوكية ، وأساليب التفكير ، والفائدة من هذه العموميات توجيه الأنماط الثقافية في المجتمع في اتجاه واحد ، وتقليص المسافات وتقصيرها بين أفكار الأفراد في المجتمع واتجاهاتهم ، بالإضافة إلى توطيد الأواصر والروابط بين الاهتمامات المشتركة ، والتشجيع على التماسك الاجتماعي .

الخصوصيات : وهي عبارة عن صفات أو تصرفات أو مجموعة من العناصر التي تكون مشتركة بين فئة معيّنة من أفراد المجتمع ، وتكون مسئولة عن سلوك مجموعة معينة دون غيرهم ، وقد تختص هذه الخصائص بطبقة اجتماعية مثلاً كالطبقة الأرستقراطية .

البدائل والمتغيرات : وتنحاز هذه البدائل والمتغيرات إلى عناصر العموميات أكثر من الخصوصيات ، ولا تشترك بها فئة معينة من الأفراد ، ولا تخص طبقة دون غيرها من طبقات المجتمع ، وإنما يتم استحداثها وتجربتها في المجتمع لأول مرة ، وتبدأ بالانتشار وتكون غير مألوفة في بداية ظهورها .

خصائص الثقافة :

إن أي إطار ثقافي ينسجم مع إطاره المجتمعي الذي قام بخلقه وحدد صفاته وخصائصه ، والمظاهر الاجتماعية المُكتسبة من قِبَل الأفراد الذين يبذلون كل طاقتهم للحفاظ على بقاء هذا النموذج ، واستمراريته وتطويره ، ويمكن تلخيص هذه الخصائص على النحو التالي :

الثقافة إنسانية : أي أن الإنسان هو المخلوق الوحيد على وجه الكرة الأرضية الذي بمقدوره ابتكار أفكار وأعمال جديدة ، كونه المخلوق الوحيد الذي يملك جهازاً عصبياً قادراً على أداء مثل هذه المهام .

الثقافة مكتسبة : يكتسب الفرد ثقافته منذ نعومة أظفاره ، وخلال مسيرة حياته من مجتمعه المحدد بمكان وزمان محددين ، عن طريق الخبرات الشخصية المكتسبة فيه ، إذ ينعدم تأثير العوامل الفيزيولوجية على عملية اكتساب الفرد لثقافته .

الثقافة اجتماعية : حيث لا تتم دراسة الثقافة إلا من خلال المجتمعات (الجماعات) ، فهي نِتاج اجتماعي خَلَقته جماعة معينة تقوم بتمثيل عدة عادات وتقاليد مجتمعية وقيمية .

الثقافة تطورية تكاملية : إن الثقافات ليست محكومة بالثبات والجمود ، بل هي متطورة مع تطوُّرالمجتمع ورقيه ، فيحدث التطور في كل من جوهر الثقافة ، وفي الطريقة العملية لممارسة تصرفات الأفراد داخل المجتمع المتطور ، كما أن هذا التطور لا يعني انعزال وانفصال كل مرحلة عن مراحله الأخرى بل يدل على تكامل الثقافة ، مما يُشبِع حاجات الفرد النفسية ، والبيولوجية ، والفكرية ، والاجتماعية ، والروحية للفرد .

الثقافة استمرارية انتقالية : بما أن الثقافة هي نتاج مجتمعي وملك وراثي لأفراد المجتمع كافة وليس لفرد واحد ، فإنها لا تموت بموت الفرد الواحد ، ولا يمكن القضاء عليها إلا من خلال القضاء على الجماعة التي أنتجت واتّبعت ومارست هذه الثقافة ، وبما أنها إرث مجتمعي جماعي ، فهي قادرة على الانتقال من جيل الأجداد إلى الأبناء من خلال عمليات التثقيف والتنشئة والتربية والإعداد الثقافي والمجتمعي لهم ، كما أنها قادرة على الانتقال من جماعة لأخرى عن طريق وسائل الاتصال المتنوعة والمختلفة ، فإنّ وجود ثقافة ما مرتبط بوجود المجتمع والعكس صحيح ، وبالرغم من أن لذلك تأثيراً في بعض العوامل الجغرافية والبيولوجية ، إلا أنها السبيل لحياة الجماعات ، ونمط متجانس ومتكامل لحياة الأفراد .

علاقة الثقافة بالتربية :

تعد التربية أحد الأمور التي تحكم استمرارية وتطور ثقافة ما ، كونها أساس انتقالها من جيل الأجداد إلى الأبناء عن طريق التعليم والتعلُّم ، وفيما يلي توضيح لعلاقة التربية بالثقافة :

- تُشكّل التربية أحد مكونات العملية الاجتماعية الثقافية والمتمثلة في نقل مختلف أنواع التفكير ، والنشاط ، والمشاعر التي تتّسم بها جماعة ما من جيل الآباء إلى جيل الأبناء ، لجعلهم يكتسبون الصفات الاجتماعية التي يحملونها عن طريق التريبة ، وبالتالي فهي عملية تطبُّع اجتماعي .

- أن عدم الالتزام بنقل الثقافة من جيل إلى آخر عن طريق التربية يؤدي إلى القضاء على الثقافة وهلاكها ، وبالتالي هلاك المجتمع .

- طبيعة حياة الإنسان المؤقتة والمحدودة بعمر وزمن معين تجعل من توارث الأدوار بين الآباء والأبناء أمراً ضرورياً لنقل الثقافة والحفاظ على استمرارية المجتمع ، إذ أن عملية النقل هي عملية تتصف بالإيجابية ، وتتطلب تبسيط لعناصر الثقافة والاختيار بينها ، بالإضافة إلى تجديدها .

- توفّر التربية القدر الكافي من الاتّساق والانسجام بين أفراد المجتمع ، وهو الأمر الضروري لتشكيل أفكار ووسائل مجتمعية ، وقيم ، ومعتقدات ، وأنشطة سلوكية ، واتجاهات مشتركة بين أفراد المجتمع ، والتي بدورها تُشكّل ثقافة ما من خلال الأسرة ، والجماعات ، والمدارس ، ودورالعبادة ، ووسائل الاتصال المختلفة .

- للتربية دورٌ هام في إحداث اتّزان وانسجام بين عناصر المحيط المجتمعي مع بعضها البعض ، وعليه تساهم في إزالة الفروق بين طبقات المجتمع المختلفة ، أو تساهم في بناء نظام طبقيّ بمحدّدات وقوانين صارمة له ، بالإضافة إلى مساهمتها في عمليات تعدُّد السلوكيات والأفكار للأفراد ، والذي بدوره يؤدي إلى التغيُّر والتنويع الثقافي والاجتماعي .

- تعد التربية أداة لتحقيق التماسك الاجتماعي والمحافظة على استمرارية المجتمع ، كونها وسيلة لنقل الثقافة بين الأجيال ، كما أن للتربية أهمية في تزويد الفرد بالمهارات والمعلومات وسبل التفاعل الإيجابي والتأقلم السوي مع أفراد المجتمع الضرورية للقيام بمهام إنتاجه في المجتمع ، وتختلف التريبة باختلاف المجتمع ، وثقافته ، وأيدولوجيته ، ونظامه السياسي ، والاقتصادي ، والاجتماعي .

أهمية الثقافة :

تُعتبر الثقافة وسيلة للقضاء على الجهل والتخلّف . تعمل على تهيئة العيش الكريم للأفراد مع إكسابهم الشعور بالوحدة المتماسكة . تعمل على خلق حلول مناسبة للمشكلات التي تشكل عائقاً في وجه الأفراد . تعدّ الثقافة من أكثر العوامل تأثيراً في التنمية البشريّة . دفع الأفراد في المجتمعات للإبداع والتميز من خلال تسيير وتوجيه أفكارهم . صقل شخصيّة الفرد وصهرها في بوتقة الثقافة والتنمية . اكساب الفرد التحضر الإنسانيّ والرخاء الفكريّ . الكشف عن نقاط القوة في المجتمع وتحفيزها وتوجيهها نحو التطوّر والإصلاح . تساهم في تقويم ودعم الحياة الاجتماعيّة . هي وسيلة لمواكبة التطوّرات والتغيرات التي تطرأ على حياة الأفراد والمجتمع . زيادة مستوى الوعي عند الأفراد . تحفّز العنصر البشري على الإيجابيّة . إنجاز وحدة متكاملة ومتجانسة بين أفراد المجتمع . إيجاد التقاطعات ، والميول ، والإهتمامات المشتركة بين أفراد المجتمع . تشكيل الطابع القومي والتراث الذي يُميّز أبناء المجتمع عن غيرهم من المجتمعات .

 

المقالة من من كتاب (تركة المصطفى ﷺ وشريعة الإسلام) جـ3 لمؤلفه/ أحمد درويش عبد السيد .

 

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية