لماذا تتغير المعرفة؟

شهدت تصورات الإنسان عن الكون والطبيعة والحياة تحولات عميقة عبر التاريخ. وقد تشكّلت المعرفة الإنسانية داخل أنماط متعددة من الفهم، كان أبرزها الأسطوري، والفني، والفلسفي، والديني، والعلمي. ولم تكن هذه الأنماط متعاقبة أو منفصلة دائمًا، بل تداخلت وتفاعلت، وأسهم كل منها في تشكيل أسئلة الإنسان ومفاهيمه وتفسيراته للعالم. 

وغالبًا ما يُعزى تطور المعرفة إلى تراكم الاكتشافات والمعلومات، غير أن هذا التفسير يترك سؤالًا أكثر جوهرية دون إجابة: لماذا تصبح بعض الأسئلة والأفكار ممكنة في مرحلة تاريخية معينة، بينما تغيب أو تبدو غير قابلة للتصور في مرحلة أخرى؟ 

فلو كانت المعرفة مجرد حصيلة متراكمة من المعلومات، لأمكن أن تظهر قوانين نيوتن في عصر أرسطو، أو أن ينشأ العلم الحديث في أي مرحلة من التاريخ. إلا أن تاريخ المعرفة يكشف أن ظهور الأفكار لا يتوقف على الذكاء أو الملاحظة وحدهما، بل يرتبط بشروط معرفية تحدد طبيعة الأسئلة الممكنة، ومصادر المعرفة المعتمدة، والمناهج المقبولة، ومستوى الوعي السائد، وأنماط تفسير العالم. 

ففي مرحلة تاريخية قد يكون النص الديني أو التأمل اللاهوتي المصدر الرئيس لفهم العالم، وفي مرحلة أخرى تتصدر الحجة الفلسفية، ثم تصبح الملاحظة والتجربة والرياضيات أدوات المعرفة الأكثر فاعلية. ولا يعني ذلك أن أحد هذه الأنماط يلغي الآخر، بل إن حضورها ووظائفها يتغيران تبعًا للتحولات التي يشهدها الفكر الإنساني. 

ومن هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين الواقع الموضوعي، والوعي، والواقع الذي ينشأ من تفاعلهما وتتولد داخله المعرفة. وهذا ما تطلق عليه نظرية ما وراء المنهج اسم "الواقع المعرفي".

ما الواقع المعرفي؟

"الواقع المعرفي" هو المجال الذي تتشكل فيه المعرفة من التفاعل المستمر بين الوعي والواقع الموضوعي. فهو ليس الواقع الموضوعي في وجوده المستقل، ولا الوعي بما يحمله من إدراكات وتصورات، بل واقع جديد ينشأ من هذا التفاعل، وتتحدد داخله إمكانات المعرفة، وطبيعة الأسئلة الممكنة، والمفاهيم السائدة، والمناهج المعتمدة، ومعايير قبول المعرفة.

ولذلك فإن مواجهة الواقع الموضوعي نفسه لا تؤدي بالضرورة إلى المعرفة نفسها؛ إذ يختلف الواقع المعرفي باختلاف تفاعل الوعي مع الواقع، فتختلف تبعًا لذلك الأسئلة، والتفسيرات، والمعارف التي يمكن أن تتولد.

 

كيف يتطور الواقع المعرفي؟

إذا كان الواقع المعرفي هو المجال الذي تتولد داخله المعرفة، فإنه ليس واقعًا ساكنًا، بل يدخل في صيرورة مستمرة من التحول وإعادة التشكل. فالمعرفة لا تنمو بمجرد تراكم المعلومات، وإنما لأن الواقع المعرفي نفسه يتغير. ويبدأ هذا التغير مع استمرار التفاعل بين "الوعي" و"الواقع الموضوعي"، حيث تنشأ داخل الواقع المعرفي عناصر معرفية جديدة لا ينجح الواقع المعرفي القائم في استيعابها أو تفسيرها. وعندئذ ينشأ التوتر المعرفي، بوصفه تعبيرًا عن حدود الواقع المعرفي القائم أمام ما استجد من عناصر معرفية. 

ولا يُعد التوتر المعرفي حالة سلبية، بل يمثل الشرط الذي يجعل السؤال ممكنًا. فحين يعجز الواقع المعرفي القائم عن استيعاب تلك العناصر أو تفسيرها، يصبح السؤال ضرورة معرفية، ويغدو البحث عن معرفة جديدة استجابة لهذا التوتر. ومن خلال إنتاج المعرفة الجديدة، يُعاد تشكيل الواقع المعرفي، وينشأ واقع معرفي جديد، كما يُعاد تشكيل الوعي، فيتطور ويصبح أكثر نضجًا، فيغدو أكثر قدرة على التفاعل مع الواقع الموضوعي. وهكذا تستمر "إعادة التشكل الانعكاسي" و"التوليد التفاعلي"، فيتطور كلٌّ من الواقع المعرفي والوعي في علاقة تفاعلية مستمرة مع الواقع الموضوعي.

 

الواقع المعرفي والعلم

يقدم العلم مثالًا واضحًا على أثر الواقع المعرفي في تطور المعرفة. فالنظريات العلمية لا تظهر دفعة واحدة، ولا تتغير لمجرد تراكم الاكتشافات، بل لأنها تنشأ داخل واقع معرفي يحدد طبيعة الأسئلة العلمية، والمناهج المعتمدة، ومعايير تفسير النتائج. ومن هذا المنظور، لا يعني تغير النظريات العلمية أن الواقع الموضوعي قد تغير بالضرورة، بل إن الواقع المعرفي الذي يتفاعل من خلاله الإنسان مع الواقع الموضوعي قد أُعيد تشكيله. ولذلك يصبح ما كان غير قابل للتفسير، أو حتى للتصور، في مرحلة تاريخية، ممكنًا في مرحلة لاحقة. ولا تقلل هذه الرؤية من قيمة العلم أو موضوعيته، بل تفسر كيف تتطور المعرفة العلمية، وكيف تنشأ مناهج ونظريات جديدة كلما تطور الواقع المعرفي، وتطور معه الوعي الإنساني. 

وبذلك، فإن الواقع المعرفي لا يقدم تفسيرًا لتطور العلم فحسب، بل يفتح أفقًا لفهم تطور المعرفة الإنسانية عمومًا. ومن هذا المنطلق، تأتي "نظرية ما وراء المنهج" بوصفها محاولة لدراسة الشروط التي تتولد داخلها المعرفة، وكيف يعاد تشكيلها عبر التفاعل المستمر بين الوعي والواقع الموضوعي.

 

تجليات الواقع المعرفي

قد يُفهم "الواقع المعرفي" على أنه مجموع النظريات والقوانين والمفاهيم التي ينتجها الإنسان، غير أن هذا لا يعبر عن المقصود في نظرية ما وراء المنهج. فالواقع المعرفي ليس هذه المنتجات، بل هو البنية المعرفية الديناميكية التي تتولد من التفاعل بين الوعي والواقع الموضوعي، وتتحدد داخلها إمكانات السؤال، وطرائق الفهم، ومناهج البحث، ومعايير بناء المعرفة. أما النظريات، والقوانين، والمفاهيم، والمناهج، والأعمال الفكرية، فهي عناصر تتولد داخل الواقع المعرفي، ثم تدخل في تفاعل مستمر يسهم في إعادة تشكيله وتطويره. 

وتتجلى هذه البنية في مختلف ميادين المعرفة. ففي الرياضيات، لا تمثل النظرية الهندسية –مثلاً- الواقع الموضوعي، ولا مجرد فكرة ذاتية للباحث، بل هي عنصر معرفي نشأ من التفاعل بين الوعي والواقع، ثم أصبح أساسًا لتوليد عناصر معرفية رياضية جديدة.

وفي الفيزياء، لا تمثل النظرية الكمومية الواقع الفيزيائي ذاته، ولا هي نتاج خيال مجرد، بل إطارًا معرفيًا تولد عندما عجزت النماذج المعرفية القائمة عن تفسير ظواهر جديدة، فأعاد تشكيل فهم الإنسان للعالم، وأصبح أساسًا لتوليد تطورات علمية لاحقة. 

وفي الأدب، لا تمثل المعلقات الواقع العربي القديم كما هو، ولا تختزل التجربة النفسية للشاعر العربي، بل تعيد بناء التجربة الإنسانية في صورة شعرية أصبحت عنصرًا فاعلًا في الواقع المعرفي العربي. وينطبق ذلك أيضًا على المسرح الشكسبيري، والرواية الحديثة، والشعر الحر؛ فهي لا تعكس الواقع كما هو، ولا تقتصر على التعبير عن التجربة الذاتية لمبدعيها، بل تمثل منتجات معرفية أعادت تشكيل الوعي الجمالي والثقافي، وأصبحت عناصر فاعلة في الواقع المعرفي.

وفي العلوم الإسلامية، لا يمثل علم أصول الفقه، أو علم مصطلح الحديث، أو قواعد الناسخ والمنسوخ النصوص الدينية نفسها، ولا مجرد اجتهادات فردية، بل أطرًا معرفية نشأت من التفاعل بين النصوص والوقائع ووعي العلماء، ثم أصبحت أساسًا لتوليد اجتهادات ومعارف جديدة.

وتبين هذه الأمثلة أن الواقع المعرفي ليس مستودعًا للأفكار، ولا مجموعًا للمنتجات المعرفية، بل بنية معرفية ديناميكية تتولد فيها هذه المنتجات، وتتفاعل فيما بينها، فتسهم في إعادة تشكيل هذه البنية باستمرار. ولا يحدث هذا التحول نتيجة تطور الوعي وحده أو تغير الواقع الموضوعي وحده، بل نتيجة التفاعل المستمر بينهما. فقد ينشأ واقع معرفي جديد استجابةً لاكتشاف ظاهرة طبيعية، أو ابتكار تقنية، أو تحول اجتماعي، كما قد ينشأ نتيجة إعادة تفسير المعرفة القائمة، أو تطوير أدوات الفهم، أو ظهور أسئلة جديدة لم تكن مطروحة من قبل. 

وبذلك لا يكون الواقع المعرفي حالة ثابتة أو وعاءً تُخزن فيه المعرفة، بل عملية تفاعلية متجددة، تتولد فيها المعرفة، وتُعاد فيها قراءة منتجاتها وإعادة تنظيمها باستمرار. ومن خلال هذه الحركة المستمرة يُعاد تشكيل الواقع المعرفي، فتتولد إمكانات جديدة للفهم والسؤال، وتنشأ عناصر معرفية جديدة، من نظريات ومناهج وقوانين ومفاهيم، في عملية لا تنتهي ما دام التفاعل قائمًا بين الوعي والواقع الموضوعي.

 

خلاصة

لا يقدم مفهوم "الواقع المعرفي" تفسيرًا لتطور المعرفة بوصفها تراكمًا للمعلومات، بل يفسر الشروط التي تجعل المعرفة ممكنة أصلًا، وكيف تتولد، ولماذا تتغير. فالإنسان لا ينتج المعرفة من الواقع الموضوعي مباشرة، ولا من الوعي بمعزل عن الواقع، وإنما من التفاعل المستمر بينهما، حيث يتشكل الواقع المعرفي، وتتولد داخله الأسئلة، والمفاهيم، والمناهج، والنظريات.

ومن هذا المنظور، فإن دراسة المعرفة لا تقتصر على تحليل نتائجها، بل تمتد إلى دراسة الواقع المعرفي الذي أنتجها، وآليات تشكله وتحوله وإعادة تشكله. ومن هنا تنطلق "نظرية ما وراء المنهج"؛ فهي لا تبحث في المناهج وحدها، بل في الشروط التي تجعل المناهج والمعارف نفسها ممكنة، وفي الكيفية التي يعاد بها توليد الواقع المعرفي عبر التفاعل المستمر بين الوعي والواقع الموضوعي.

 

المصادر

- عبد الحكيم شباط: "نظرية ما وراء المنهج"، منشورات ضفاف في بيروت، دار الرافدين في بغداد، منشورات الاختلاف في الجزائر، مؤسسة بنيان في ألمانية، الطبعة الأولى 2026م.

- عبد الحكيم شباط: قضايا معاصرة، قراءات في الفكر والمجتمع، مؤسسة بنيان، ألمانية، الطبعة الأولى 2025م.

- عبد الحكيم شباط: شتلات نقدية، دار ناشري، الكويت، الطبعة الأولى، 2013م.

- عبد الحكيم شباط: مقال "تحايث الروافد العظيمة"، موقع الأوان، باريس، 2012م.

كاتب وأكاديمي
عبد الحكيم شباط، أكاديمي وكاتب مقيم في ألمانيا، له العديد من المؤلفات والأبحاث العلمية والأدبية المنشورة باللّغتين الألمانية والعربية.

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية