دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

أصبح التوصل إلى تعريف مجمع عليه دوليا لمصطلح " الإرهاب " أكثر إلحاحا من أي وقت مضى ، فأحداث الحادي عشر من سبتمبر أثارت المخاوف بقدر هائل في الغرب ، ولكونه مركز الثقل الأكبر في عالم اليوم فإن تحول مخاوفه إلى قضية ذات ترتيب متقدم على جدول أعمال المؤسسات الدولية أمر مفهوم . وعلى مدى التاريخ لم يكن العنف السياسي مجرما تجريما قاطعا بل كان يخضع للاستخدام السياسي فكان هناك دائما اختلاف حول مشروعية هذا العنف . وحتى انهيار نظام القطبين الذي ظل سائدا طوال النصف الثاني من القرن العشرين كان كل منهما يستخدم الطبيعة الخلافية لمفهوم " الإرهاب " ورقة للضغط على مصالح الطرف الآخر في مكان أو آخر من العالم بأن يتبنى جماعة - أو جماعات - مسلحة موالية / مناهضة . وإذا كانت تلك إطلالة شديدة الاختصار على ملابسات السجال المحتدم في العالم حول الظاهرة ، فإن الالتباسات يجب الوقوف أمامها طويلا ، وطويلا جدا ...

وأول الالتباسات محاولة بعض حكومات الدول العربية أو الإسلامية اختصار الأمر في صورة أن الغرب يريد إجبار العالم على تعريف للإرهاب يصنف المقاومة الفلسطينية واللبنانية بوصفها إرهابا ، وهي كلمة حق يراد بها باطل ، فالمفهوم الذي يتبناه الغرب للإرهاب يعني هذا بالفعل لكن التركيز على هذه القضية " كسارة جليد " تستخدمها بعض الدول العربية للإفلات من مأزق وضع إطار أخلاقي عام لتعريف الإرهاب . والتركيز على تصنيف التنظيمات التي تقاوم المشروع الصهيوني محاولة لصرف الأنظار عن حقيقة أن العنف السياسي الذي شهدته بعض الأقطار العربية ، وبخاصة خلال عقد التسعينات لم تكن له صلة من قريب أو من بعيد بالمشروع الصهيوني .

بل إن مختلف فصائل الحركة الوطنية في مصر – على سبيل المثال - كانت تتساءل دائما : " لماذا لا يتوجه رصاص العنف السياسي الإسلامي إلى استهداف الكيان الصهيوني بدلا من استهداف النظام الحاكم ؟ " . فلم تكن القضية الفلسطينية سبب نشوء الظاهرة ولم تستطع الأنظمة التي واجهت المعارضة الأصولية المسلحة أن تبرهن على أن الظاهرة مستوردة أو جزء من سياق دولي أكبر ، وهو ما تحاول هذه الأنظمة إقناع العالم به الآن ، لا من خلال البرهنة بل من خلال الإلحاح والتلويح للغرب بإمكان الدخول في تحالف دولي للقضاء على التنظيمات التي تهدد أمن الكيان الصهيوني ، مقابل تسوية قابلة للترويج جماهيريا – بغض النظر عن عدالتها – وتعاون غربي مع هذه الأنظمة لمواجهة الجماعات الأصولية المسلحة التي تهدد أمن هذه الدول ، وأول مظاهر التعاون التوقف عن الحديث عن حقوق الإنسان وما ترتكبه هذه الدول من " تجاوزات " في سياق " مكافحة الإرهاب " !!

وربما كان من المشاهد العربية المضحكة المبكية مشهد سياسيين ومثقفين عرب بالغوا عمدا في الحديث عن " المحاكم العسكرية " التي قرر بوش أن يمثل أمامها المتهمون بالانتماء لتنظيم القاعدة ، وهي مبالغة لم تخل من فرحة غير معلنة وغمز لمواقف أمريكية سابقة بشأن حقوق الإنسان في دول عربية وإسلامية . وإذا كانت الحرية كقيمة " لا بواكي لها " لا في الشرق ولا في الغرب ، فلماذا لا نتوقف أمام حالة حقوق الإنسان في الولايات المتحدة إلا في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر ؟

وإذا كانت حقيقة موقف النظام الرسمي العربي إجمالا التنكر لحقوق الإنسان فلماذا التمحك في تفسيرات تآمرية تبدأ بالتركيز المبالغ فيه على الموقف ضرورة التفرقة بين " المقاومة المشروعة " و " الإرهاب " ، وتنتهي عند الدعوة إلى مخاصمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي لا يؤدي تطبيقه إلا لإباحة " الشذوذ الجنسي " ، الأمر الذي يضفي صبغة جهادية زائفة على موقف الدول العربية والإسلامية التي ترفع لواء الدفاع عن الشريعة . ولو كنا صادقين مع أنفسنا لتبنت هذه الدول " الإعلان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان " ، فالتصور الغربي لحقوق الإنسان لا يحولها إلى " ثمرة محرمة " !!

ومن المؤكد أن منصفا أيا كان موقفه السياسي أو انتماؤه الفكري لا يمكن أن يقبل الموقف الغربي من المقاومة المسلحة داخل الكيان الصهيوني وخارجه ، وفي مقدمتها العمليات الاستشهادية ، لكن خوض معركة لأجل الحفاظ على حق مقاومة الاحتلال ليس أكثر قداسة من خوض معركة لأجل الحفاظ على حق الشعوب في مقاومة الاستبداد السياسي ، فكلاهما يفتقر إلى المشروعية .

وإذا كانت المنطقة العربية قد تمكنت خلال العقود القليلة الماضية من التخلص من الاحتلال العسكري المباشر فإنها لم تشعر بطعم الاستقلال السياسي حتى الآن بسبب الاستبداد فالاستبداد كالاحتلال ، والموقف الرسمي العربي القائم على التفرقة بينهما رغم كونهما كلاهما يفتقران للمشروعية ، واحد من المبررات التي تدفع الغرب لرفض التفرقة بين المقاومة والإرهاب ، فإذا كان من حق الضعيف ( نحن ) أن يتصرف بشكل انتقائي فمن المؤكد أن فعله يضفي المزيد من المشروعية على موقف القوي ( الغرب ) عندما يستثني الكيان الصهيوني من حديثه عن الديمقراطية وحقوق الإنسان !!.

ولا يعني هذا بأي حال أن الغرب يتصرف بشكل مبدئي في قضية حقوق الإنسان ، لكن تواطؤه على حقوق الفلسطينيين ليس منفصلا عن تواطؤه على حقوق شعوب أخرى يحكمها حلفاء له يرتكبون جرائم قتل عمد وقتل تحت التعذيب ، ويعتقلون الآلاف من معارضيهم السياسيين ويحرمونهم من أبسط حقوقهم بتقديمهم للمحاكمة أمام محاكم عسكرية ، وهم يرون هذه الممارسات حماية لأنظمتهم السياسية ، وبالتالي يعتبرونها أمرا مشروعا . وهذه الممارسات لا تشكل خرقا للأعراف الدولية ومواثيق حقوق الإنسان وحسب ، بل تعد خرقا لقوانين هذه البلاد ودساتيرها ، فهل هذه الدساتير والقوانين الوطنية فرضها الغرب ؟ وكيف نطالب العالم باحترام أية شرعية دولية إذا كانت دساتيرنا وقوانيننا لا تحترم ؟
إن جرائم الاستبداد السياسي العربي – في نظر الغرب - تبرر جرائم الاحتلال الصهيوني ، وهذه الالتباسات هي المشكلة الحقيقية لا الحرص على حق المقاومة ولا على أحكام الشريعة الإسلامية .

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية