دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

في حياة كل أمة لحظات استثنائية تواجه فيها تحديا ، عادة يستهدف وجودها أو مقومات وجودها الأساسية ، ومثل هذا التحدي يفرض عليها أن تشحذ كل قدراتها لمواجهته ، وهو ما يعني أن تتصرف بشكل استثنائي . ومنذ أن بدأ المشروع الصهيوني يتحول من فكرة إلى واقع والمنطقة العربية تعيش حالة استثنائية ممتدة تجاوز عمرها الآن نصف القرن . . وأهم ملامح هذه الحالة الاستثنائية حالة استنفار عامة تتفاوت درجاتها من مكان لأخر ومن مرحلة لأخرى من مراحل الصراع العربي الصهيوني ، وهي في عموميتها شملت السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع ، هذا فضلا عن استنفار عسكري جعل منطقتنا العربية من أكثر مناطق العالم شراء للسلاح على مدى العقود القليلة الماضية .

والاستنفار العسكري ألقى بظلال كثيفة على مناحي الحياة المختلفة ، فأدى أولا إلى صعود أسهم المؤسسات العسكرية في كثير من بلدان المنطقة العربية ، فشهدت سلسلة من الانقلابات العسكرية في أقطار عديدة . كما أنه أدى إلى نقل أنماط التفكير و الفعل العسكرية ، من داخل الثكنات ومن على خط المواجهة ، إلى القسم الأكبر من مؤسساتنا حتى شغل رجالها القسم الأكبر من المناصب الرفيعة في المؤسسات التنفيذية على اختلاف أنواعها ، وهو ما أدى إلى تهميش مؤسسة القضاء وآليات تداول السلطة والرقابة عليها بدرجات متفاوتة . وتحت وطأة الإحساس بأن التحدي مازال قائما ، صارت الشعوب – عامة ومثقفين – تستبطن فكرة أن بقاء الحال على ما هو عليه ضرورة تفرضها حالة المواجهة . وصار كل حديث عن تغيير أو تقويم يصنف في خانة المحرمات الوطنية ، وربما فسر هذا كيف ألفت شعوب ببساطة تستلفت النظر أن تعيش عقودا متواصلة محكومة بحالة طوارئ وقوانين استثنائية ، دون أن تشعر أن هذه حالة استثنائية . وربما كان هذا نجاحا أحرزته الأنظمة العسكرية في أن تطبِّع الحالة الاستثنائية .

وما تؤكده المراحل السابقة من الصراع العربي الصهيوني ، أولا : أنه صراع ممتد وليس صراع معركة واحدة فاصلة ، ثانيا : أنه صراع مركب تلعب الاعتبارات الحضارية والدينية فيه دورا رئيسا ، وبالتالي فإن معيار قوة جبهة كل طرف ليس – فقط – قوته العسكرية بمعانيها المختلفة ، بل قدرته على الأداء الجماعي المتناغم المؤسس على أساس سياسة النفس الطويل . وقد خاضت الأمة جولات الصراع الفائتة دون أن تتوقف لتقيم مدى نجاح أسلوبها في المواجهة ، وبالتحديد أثر الأوضاع الاستثنائية ، التي صارت بطول بقائها أوضاعا طبيعية ، في كفاءتنا في الصراع . ولم تفلح نكسة يونيو في أن تدفع هذه الأنظمة إلى وضع هذه الاستراتيجية موضع التقييم بشكل جذري فكان بيان 30 مارس في مصر نتيجة متوقعة ، لكنها بكل المقاييس كانت دون المأمول ، وتم في سوريا تصحيح الأوضاع بإجراء عسكري كرس الوضع بدل أن يغيره .

ومن الآثار المهمة ، بل الخطيرة ،لهذا الامتداد الزماني للأوضاع الاستثنائية أن عودة بعض هذه النظم إلى إدارة شؤون بلادها بالقوانين الطبيعية صارت مهمة صعبة ، إذ أصبحت العسكرة سمة بنيوية فيها قد يستوجب الخروج منها تغييرات دراماتيكية . و المفارقة التي تستوجب التوقف أننا لم ننتبه إلى أننا نفعل بأنفسنا ومجتمعاتنا طواعية شيئا شبيها إلى حد بعيد بما يريد أن يفعله بنا المشروع الصهيوني . فبعد أن نحج الصهاينة في تخطي عقبة التأسيس يسعون إلى هدف " التطبيع " ، واقتناعنا بأن الكيان الصهيوني كيان شاذ غير طبيعي لم يلفت نظرنا إلى أننا ، منذ نشأ هذا الكيان ، " نطبِّع " أوضاعا سياسية هي بكل المقاييس شاذة غير طبيعية .
ونجاحنا في مواجهة مشروع تطبيع وضع الكيان الصهيوني مرهون بعودة إلى الأوضاع في بلادنا إلى حالتها الطبيعية ، فنحن قادرون على تنظيم حياتنا دون حكم عسكري على أساس وجود صراع حضاري ممتد يستهدفنا ، لكن لا يجوز أن ندفع ضريبة بقائنا نعيش حالة استثنائية ممتدة ، لأنها ، شئنا أم أبينا ، ستنتج ثقافتها وفلسفتها ومنظومتها القيمية . ونحن بهذا نعرض مجتمعاتنا – التي هي ثروتنا الحقيقية - لدرجات من التشويه و التدجين لا تقل مخاطرها عن انتصار المشروع الصهيوني انتصارا حاسما ، فهذه المنتجات ستكون قادرة على الفتك بمقومات وجودنا بشراسة تفوق قدرة الكيان الصهيوني .

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية