دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

    في حين تستعد المنطقة للقاء السلام الدولي الإقليمي المنتظر ، والمفترض انعقاده في بحر الخريف القادم ، وفي حين أن كثيرا من الانظمة العربية تحلم ان يناقش هذا اللقاء بنود المبادرة العربية للسلام الذي شكل الخيار العربي الوحيد منذ مطلع القرن الحادي والعشرين الحالي ، في حين هذا وذاك ، طلع علينا مؤخرا وزير الدفاع الإسرائيلي " إيهود باراك " ، قاطعا الشك باليقين ، واصفا " مساعي السلام مع الفلسطينيين بانها مجرد تخيلات ، وان إسرائيل لن تنسحب من الضفة خلال السنوات الخمس القادمة .     وها هو إيهود أولمرت رئيس الحكومة الاسرائيلية ، يصرح ان اعلان مبادىء مشترك مع الفلسطينيين غير ملزم . وهذا يعني بما لا يدع مجالا للشك ان مؤتمر السلام لن يخرج عن كونه تظاهرة اعلامية ، وقعقعة لا تؤتي طحنا . وهو ايضا ما عبر عنه مسؤولون فلسطينيون بان الاسرائيليين يريدون سلاما في الفراغ ، في حين ان الفلسطينيين يريدون السلام على الارض .

    وهذا بطبيعة الحال يدفعنا الى فتح ملف خيار السلام العربي ، واعادة قراءته في ضوء هذه التحديات المتصاعدة الوتيرة . ان الخطاب السياسي لكثير من الانظمة العربية ، وغداة انتهاء الحرب الاميركية على العراق وغزوه في العام 2003 ، أصبح مؤسسا على شعارات دأب القائمون على هذه الانظمة بكل ما يمكن ان يتوفر لهم من وسائل اعلام ومنابر محلية ودولية على ترديدها باعتبارها النهج والمنهاج السياسيين للمرحلتين الراهنة والقادمة .
ومن بين هذه الشعارات الاكثر تحديدا لمعالم المشهد السياسي العربي الداخلي والاقليمي والعالمي يبرز شعار " السلام كخيار استراتيجي " ، والذي جسدته المبادرة العربية للسلام .

وعلى ضوء هذا الشعار الذي تدل وقائع الامور انه لم يحظ بمسار مواز له في الطرف الاسرائيلي ، ولا بنصيب محدود من روح التبادلية التي يفترض ان تكون قائمة اساسا على نفس المفهوم والرؤيا والمنظور والممارسة ، فظل شعار السلام هذا معمولا به من طرف واحد ، هو بطبيعة الحال الطرف العربي الذي كرس على شرفه فعاليات حذف واضافة في مجمل السياسة العربية بعامة ، وبما يخص القضية الفلسطينية واسرائيل بخاصة .

 ان الانظمة العربية لم تأل جهدا في تغيير قاموسها السياسي . فهناك الذين ترجموا هذا الشعار الى اعتراف تام بدولة اسرائيل وانهاء حالة الحرب معها في معاهدة سلام . وثمة آخرون اعترفوا بها واقاموا معها تمثيلا دبلوماسيا وجسور تطبيع على كثير من الصعد الاقتصادية والاعلامية وغيرها ، والالتفاف على كثير من المحرمات التي كانت لاءات الخرطوم الثلاث والمقاطعة بكل اشكالها وابعادها تمثلها .

 وقد تكون الانظمة العربية وبالذات التي تبنت هذا الشعار قد اقتنعت به على صعيد مستوياتها السياسية العليا ، او انها ربما مورس عليها ضغوطات خارجية للسير في مساره بغض النظر عن كل ما يحف به من مخاطر ، او ما يمكن ان يلقى من معارضة جادة على مستوى شارع الجماهير العربية ، جراء افتقاره الى كثير من الأسس التي يفترض ان يقوم عليها . وهذه الانظمة قد لا تكون قادرة على الاجابة عن كثير من الاسئلة التي تتعلق بطبيعة هذا الخيار الذي الزمت نفسها به وتقوقعت في قمقمه .

وأول هذه التساؤلات حول ما اذا كان هذا الخيار يعني نبذ الخيار المضاد له والتخلي عنه نهائيا ، ام ان الخيارين متلازمان معا . الا ان مصطلح " استراتيجي " المرافق لهذا الخيار يفيد بناء على تفسير القاموس السياسي الدولي الديمومة والاستمرار والشمولية بكل ابعادها .

وفي هذا الصدد فالسلام من وجهة نظر هذا الخيار هو الطرح الوحيد والوضع النهائي مهما كانت الظروف والمتغيرات . وان استقراء ما آلت اليه الاوضاع السياسية في العالم العربي يبرز بوضوح – وبما لا يدع مجالا للشك – حدود مفهوم هذا الخيار ، ويؤكد عليه مهما كانت التحديات التي يتعرض لها هذا العالم العربي جماهيره ومقدراته بعامة وقضيته الفلسطينية بخاصة .

 في ظل هذا الواقع الذي اختارته الانظمة العربية لا بد من اضاءة فضاءات تحيط بهذا الخيار حتى يكتمل المشهد من جميع جوانبه . ان إسرائيل وهي الطرف الآخر والموازي والتي يفترض ان يكون السلام معها عربيا قوميا شاملا بصفقة واحدة لا صفقات متناثرة متباعدة الازمان والتوقيت . وفي نفس الوقت ان يكون متوازنا ، ان إسرائيل هذه لم ترفع شعار السلام كخيار استراتيجي .

ان كل ما فعلته إسرائيل في هذا الصدد ، انها طرحت بالتشاور مع حليفتها الاستراتيجية الولايات المتحدة الامريكية ما يسمى " بالعملية السلمية " . وهي منظور سلام اسرائيلي اميركي قائم اساسا على محرمات ولاءات ومحظورات ، اثبتت الايام وتوالي الاطياف السياسية الاسرائيلية اليسارية واليمينية وسواها على الحكم ، انها ملتزمة بها ولا تحيد عنها قيد انملة . في الوقت نفسه وفي الطرف العربي الموازي أجبرت الانظمة العربية على التنازل عن محرماتها ولاءاتها ومحظوراتها على شرف هذا السلام .

 وزيادة على ذلك فان تركيبة الطيف السياسي الحزبي الحاكم حاليا في اسرائيل ، شأنها شأن كل الاطياف السياسية السابقة ، لم يكن السلام الحقيقي أحد بنود أجندتها السياسية في يوم من الايام ، علاوة على انها ضعيفة ، وتعاني ما تعانيه جراء تداعيات الافرازات السلبية الخطيرة للحرب الثانية على لبنان في تموز / يوليو من العام 2006 . وان اقصى ما تسعى إله السياسة الإسرائيلية يتمثل في تهدئة طويلة الامد ، تتمكن من خلالها استكمال ما أحدثته من تغييرات جغرافية وديموغرافية في الضفة الفلسطينية بعامة ، والقدس بخاصة ، وفرضها بالتالي كامر واقع .

ثمة حقيقة اخرى لا ينبغي ان تغيب عن البال . فهناك الكثيرون في اسرائيل الذين يؤمنون ان العرب ما اقبلوا على السلام الا كونهم لم يستطيعوا ان ينتصروا في الحرب . بمعنى انهم مكرهون ليسوا ابطال سلام حقيقيين . وفي ضوء هذا المنظور الإسرائيلي للسلام الذي على ما يبدو نجح لدى بعض الانظمة العربية ووجد هوى فيها ، يصر الإسرائيليون على تعميمه على باقي الاقطار العربية بعامة والفلسطينيين بخاصة . وهو منظور قائم على انتقاص للحق العربي واستخفاف به وبمقدراته وبالمكانة التي يفترض ان يتبوأها ، وبادىء ذي بدء التفاف حاد على مجمل القضية الفلسطينية .

ولا تقف الامور عند هذا الحدود . فثمة حقيقة اخرى على جانب كبير من الاهمية تخص ميزان القوى العسكري في المنطقة . فاسرائيل لم تتخل عن الخيار العسكري بأي شكل من الاشكال . وهي لم تغير استراتيجيتها منذ قيامها والمتمثلة في تفوقها العسكري على كافة اقطار العالم العربي في آسيا وافريقيا مضافة اليها مجموعة من الاقطار الاسلامية الكبرى .
 وحتى تحت ظلال العملية السلمية التي يفترض ان تقلص من ميزانيات التسلح والاستعدادات الحربية والتوجه الى المجهود السلمي ، فان اسرائيل ما زالت تدعم ثكنتها العسكرية الهجومية بوتيرة متسارعة متصاعدة باتجاهين افقي ورأسي .

وزيادة على ذلك فهي ترفض ان توقع على اية اتفاقيات دولية تحظر انتاج اسلحة الدمار الشامل او حتى اخضاعها للمراقبة الدولية . وما صفقة المساعدات الاميركية الاخيرة والمقدرة بثلاثين " 30 " مليار دولار ، والموعودة بها إسرائيل الا ترجمة فعلية للاصرار على جعل إسرائيل متفوقة على العالم العربي ، ودول أخرى خارج هذا العالم .

 واخيرا لا آخرا ، لقد كان من المفترض ان تظل القضية الفلسطينية بكل ثوابتها وابعادها وتداعياتها هي المحرك الحقيقي للعملية السلمية المتوازنة العادلة الى الامام او الى الخلف من جانب الانظمة العربية . والساحة الفلسطينية تشهد منذ ما ينوف عن سبعة اشهر اعتى عملية تصفية من قبل اسرائيل التي تشن حربا بمعنى الكلمة ذات بعدين . الاول ضد القضية وشعبها . والثاني ضد الوطن العربي مستخفة ومستهينة به وهي تعلم ما للقدس والاقصى من مكانة وقداسة لديه .

 كلمة اخيرة ، ان الانظمة العربية ، وهي مقبلة على لقاء السلام الدولي الاقليمي ، اذا ما كتب له ان يعقد ، مطالبة بسلام ضمن مواصفات ومقاييس تراعي مصلحة الامة العربية وكرامتها وتحفظ حقوقها . والسلام الجدير ان يسمى سلاما حقيقيا حينما يكون تبادليا وقائما على احترام رغبات الشعوب وطموحاتها نحو حياة افضل دون أي تفاوت في المردود على طرف دون الآخر . لكن منظور السلام الذي تؤمن به اسرائيل غير متكافىء ولا تبادلي .

 وعلى ما يبدو انه مطروح ليكون من طرف واحد هو الطرف العربي . وحقيقة الامر التي لا تقبل ادنى جدال ان الارض واستحقاقات القضية الاخرى هي مهره من المنظور الفلسطيني والجماهيري العربي . وبدون هذا المهر لا يمكن ان يقوم هناك عرس للسلام .

شاعر وكاتب فلسطيني

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية