دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

كنت أجلس مستمعًا لندوة على إحدى القنوات، وكان موضوع الحلقة ( تنظيم النسل ) وكان أحد الضيوف يمثل وجهة النظر الداعية إلى التنظيم، وكان الآخر يمثل الجانب الآخر، الجانب الإسلامي، وكان طبيبًا! ومما ردّ به الطبيب على الجانب الأول الذي قال: إن من حق الإنسان أن يقدر ظروفه المالية وغيرها، فينظم بناء على ذلك ـ رد عليه قائلًا: إن هذا حرام ، وإن الأرزاق على الله، وإن الله قد تعهد بالرزق! إن الأرزاق بيد الله، نؤمن بهذا، ونقر به، والشك به كفر، ومعاندة لأمر الله في هذا الكون ، وتكذيب لقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } (الذريات:58) وقوله تعالى: { وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ، نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ؛ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيرًا. (الإسراء:31) . وهو مخالف لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها ) ولإخباره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن كل إنسان يكتب له رزقه وهو في رحم أمه.
لكن هل أمر الرزق خارج عن دائرة سنن الله في هذا الكون ( أعني من ترتيب الأسباب على المسببات ؟ ) وهل الله ـ تعالى ـ سيوفي هذا الإنسان رزقه الذي قُدّر له، جالسًا على كرسي، أو قابعًا في ظلام؟
هذا أمر، والأمر الآخر : هل التخطيط للمستقبل، والتحسب لأمره في مجال الرزق يتنافى مع الإيمان بالمُسَلَّمة التي قدّمت؟
أما الإجابة على السؤال الأول فإن الله ـ تعالى ـ لا يعطل سنن هذا الكون، أو يغيرها إلا معجزة لنبيٍّ، أو كرامة لوليٍّ، في ظروف محددة، ومحدودة جدًّا. أما فيما عدا ذلك فإن الأنبياء وغيرهم من سائر الناس يخضعون لهذه السَّنن ( قانون الأسباب والمسببات ) . فهذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين تنعدم أسباب الرزق ـ يجوع، ويطلب الأكل فلا يجده، ولم يُنزِّل الله عليه رزقًا من السماء، ولا أخرج له من الأرض ذهبًا .
نعم نحن نعتقد أن هذه الأسباب ـ التي لا بد منها للوصول إلى المسببات ـ لا تعمل بنفسها، وإنما الفاعل هو الله، تعالى .
وأما الإجابة على السؤال الثاني فإن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان ـ أحيانًا ـ يدخر قوت سنة، وحين أراد سعد بن وقاص ـ رضي الله عنه ـ أن يتصدق بماله كله نهاه، وقال : ( إنك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون الناس.. ). وهذا وذاك من التخطيط للمستقبل، ومحاولة لتأمين مال يقتات به عياله في قادم الأيام، فلم يتصدق ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما لديه من مال، أو يترك الادخار؛ لأن الرزق مكفول، كما لم يسمح ـ صلى الله عليه وسلم ـ لسعد أن يتصدق بماله؛ لأن الله ـ تعالى ـ يرزق عياله، وهو ـ أيضًا ـ من الأخذ بالأسباب لتفادي الفقر .
وأخيرا فإن الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ يفسر قوله ـ تعالى ـ : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } من قوله : { ...وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ، فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ، مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا ، فَوَاحِدَةً، أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } . (النساء:3) يفسره : فاقتصروا على واحدة؛ فإن ذلك أدنى ألاّ يكثر عيالكم . فلا تستطيعوا رعايتهم .

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية