دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

ينفتح المشهد الروائي لدى عبد الله نايه في روايته الجديدة " وجوه في الماء الساخن "، على ساحة  يتجمع فيها العمال تمهيدا للانطلاق الى أعمالهم داخل الحط الأخضر ،وهي ساحة الشجاعية المعروفة  بمدينة غزة .

ومع انفتاح هذا المشهد الذي غالبا ما يكون في ساعات الفجر الأولى ، تبدأ دورة الحياة  وتتعالى أصوات نفير السيارات وتعلو الضجة ، وتتردد نداءات الباعة وأصوات سائقي السيارات ، في مزيج بانورامي عجيب تشتهر به مدينة غزة ،وهذه الساحة بشكل خاص..

 وتبدأ معاناة العمال الغزيين الذين يذهبون الى أعمالهم داخل المصانع والكيبوتسات الإسرائيلية ، وهم يقاومون النوم الذي لا يزال يداعب جفونهم ،ولا تقف المعاناة  عند هذا الحد  بل تتعداه الى علاقتهم برب العمل الإسرائيلي ، تلك العلاقة القائمة على استغلال قوة العمل لديهم بأقصى درجة ، وإعطائهم اقل قدر ممكن من نتاج عملهم .

وعلاقتهم كذلك بالعامل اليهودي ، الذي لا يترك لهم سوى الأعمال الشاقة والقميئة التي يأنف هو من العمل فيها ، وينظر إليهم باستعلاء وكبرياء لا يخلو من التعصب القومي .

إلا أن المشهد يظل حبيس المكان ذاته ، ولا يتطور باتجاه إضاءة اكبر لصالح المشهد العام في المدينة ، فلا نرى مشاهد حركة جنود وسيارات عسكرية وحواجز  ، وكأن المدينة التي تجري فيها أحداث هذه الرواية غير مدينة غزة .

" جودة الفكرة "

وتبدو فكرة الكتابة في هذا الموضوع فكرة حسنة ، طرقتها قلة من كتاب الضفة الغربية وقطاع غزة ، قبل أن يطرقها تايه في روايته هذه ، وهو بذلك يخرج عن النمط الروائي السائد في الأدب الفلسطيني  منذ سنوات  طويلة ،والذي اقتصر على تناول جوانب محددة  من الانتفاضة ، فكانت مشاهده تقتصر على إطارات مشتعلة ورشق حجارة ودخان يعانق السماء .

إلا أن هذا النمط  - والحق يقال – قد أدي أغراضه ، وساهم في إبراز الانتفاضة  وتحويلها إلى نمط حياة لدى المجتمع الفلسطيني لفترة زمنية ليست قليلة.

إلا انه يتوجب ألان البحث عن طريق ووسائل جديدة، للتعبير عن هذا الحدث العظيم ، تتجاوز النمط الروائي السائد  ، باتجاه ترسيخ  الحدث وتقديمه بصورة تبرز الوجه الآخر له ، أي الوجه الإنساني الذي جرى تغييبه لدى معالجة هذا الفعل الشعبي العظيم ،  ليصبح على المدى البعيد جزءا من الموروث الشعبي الفلسطيني .

"مضامين تقدمية "

يقدم نايه في روايته الجديدة مفاهيم ذات مضامين تقدمية ، كالإضراب عن العمل والتضامن بين  العمال ،  إلا أن هذه المفاهيم تظل أسيرة بداياتها الأولى ،  ولا تتطور الى الدرجة التي يشتهيها القارئ ، فتكون النتيجة فصل العمال الذي اتهموا بالتحريض على الإضراب من أعمالهم  ، والخضوع لرغبة رب العمل الإسرائيلي  ، دون أن يرافق ذلك حركة احتجاجية  شاملة ومنظورة لدى العمال الآخرين.

على الرغم من أن الرواية تشهد موقفا آخر موازيا ،  يقوم فيه الأطفال بتصعيد حركتهم الاحتجاجية ، ورشق سيارة المقاول المحلي الذي يستغلهم بالحجارة وحبات البندورة.

وبذلك يكون الأطفال أكثر نضجا  ووعيا لحقوقهم من العمال الكبار ، إلا إذا كان الكاتب يقصد أن الخوف على لقمة العيش ، هو الذي دفع العمال إلى اتخاذ ذلك  الموقف ،  وهو  على أي حال ليس مبررا على الإطلاق :-

 " وقفت العربة أمام مقهى أبو درويش لينزل منها الأولاد ، نزلوا يحمل كل منهم حصته من البندورة ، توانوا عن الانصراف الى بيوتهم ووقفوا أمام العربة ،  وقد أغلقوا الطريق على أبو علي الذي أطلق بوق العربة ينبههم للابتعاد ، لكنهم لم يفسحوا له الطريق ، فظل واقفا ينتظر انصرافهم من أمامه ، امتدت أيديهم الى حبات البندورة تناولوا من أكياسهم وبدءوا برشقها نحو العربة ، ارتبك أبو علي وأوقف المحرك ، استمر الرشق  بغزارة ،  وتعالى صراخ الأولاد يشتمونه مع كل حبة بندورة تنفجر على حديد وزجاج العربة .

وهناك مواقف أخرى لها دلالاتها في  هذه الرواية ، يلامسها الكاتب عن بعد وهي على أي حال ليست وظيفة الرواية ، عمق الهوة التي تفصل  بين اليهود الشرقيين والغربيين ، وقد تبدى ذلك في موقف عزرا كوهين عندما سأله أبو شحاذة ، عما إذا كان لشموئيلي مدير المصنع أولاد على الحدود أجابه عزرا:

- أنت أهبل اللي مثله أولاده في أميركا


"تقنيات الرواية"


هذا من حيث المضمون ، أما من حيث الشكل فان ما يميز هذه الرواية سمة الإسهاب في الوصف ، التي يعمد إليها الكاتب من اجل إضاءة أفضل للمشهد الروائي،  لكشف سمات المكان والمناخ العام الذي تجري فيه أحداث الرواية ، هذا رغم ملاحظتي السابقة على ضيق المشهد  وتكراره ، وهي أيضا سمة  مميزة لهذه الرواية ، حيث يتكرر مشهد المقهى في أكثر من فصل من فصول الرواية،  و كذبك مشهد الساحة الذي يتكرر هو الأخر ، وكأنما أراد الكاتب توكيد هذين المشهدين  واعتبارهما مشهدين مركزيين في الرواية .

يميل الكاتب أحيانا الى استخدام الجملة القصيرة المتوترة ، لكنه ما يلبث أن يعدل عنها لصالح السياق السردي الذي اختطه منذ بداية الرواية ، والذي كان محكوما في اغلب الأحيان بصيغة الفعل المضارع ، وهي  صيغة الفعل الأثير لدى الكاتب .

يمزج الكاتب بين الفصحى والكلام المحكي ، وهذا المزج غالبا ما يستخدمه الكاتب في الحوار بين الشخصيات الذي تبدو الرواية غنية به ، وهذه اعتبرها ميزة أخرى من ميزات  الرواية ، إذ أن الحوار بين الشخصيات لا يمكن أن يكون  باللغة المتداولة بين الناس .

يقول الناقد والروائي اللبناني الياس خوري ، في مقابلة أجرتها معه مجلة " الحرية " بتاريخ 29/10/1998 "أريد أن اعترف هنا ، بان كتابة الحوار بالعامية أكثر صعوبة من كتابته بالفصحى ، لأنه عليك هنا أن تفصح العامية بطريقة ما ،  وان تدمج العامية في مبنى الفصحى ، لا أن تتركها مستقلة عنها  ، أنا اعتقد أن الأدب الحي عليه أن يتعامل مع اللغة الحية ، والأدب الحي هو الأدب الذي يقدر على استخدام اللغة كما تحكى ، وعلى محاولة دمجها باللغة الموروثة " .

"ثلاث مستويات"

تحافظ هذه الرواية على ثلاث  من مستويات التعبير وهي :

- السرد : حيث يقوم الراوي الذي هو الكاتب نفسه بهذه المهمة ، على مدى صفحات الرواية ، ولا يخفف من وطأة  ذلك  سوى الحوار بين الشخصيات ، الذي أجاد الكاتب توظيفه في خدمة النص الروائي  ، فكان هذا الحوار هو الجزء المتمم لعملية السرد.

-الحوار بين الشخصيات :  ويحتل  حيزا هاما في الرواية  ،  ويمكن من خلاله أن يتعرف القارئ على سيكولوجية الأشخاص ونوازعهم الداخلية  ، ومواقفهم من شتى القضايا المطروحة ، كقضية الاستغلال مثلا ، يقول أبو درويش القرمان :-

- الله حلل الشغل وحرم الاستغلال ، المال الحرام رايح ، ويل لكل همزة لمزه الذي جمع مالا وعدده ، البركة منزوعة يا لطيف.

ومواقف كثيرة لشخصيات أخرى في الرواية.

- الحوار الداخلي ( المونولوج)  : - ويشغل حيزا  بسيطا في الرواية ، إذ يقتصرعلى موقف واحد أو موقفين على الأكثر داخل النص الروائي، ومن خلاله يمكن التعرف على الصراع الداخلي نفس أبو إسماعيل العجاوي ، وموقفه من علاقات العمل السائدة داخل المصنع .-

"ليس من المعقول أن تظل هكذا ، بلا كرامة ، ولا إنسانية ، ولا حقوق ، ينظر إلينا معظم العمال اليهود كأننا خلقنا لخدمتهم.

 

" شخوص الرواية "


تقتصر رواية وجوه في الماء الساخن " على عدد محدد من الشخصيات ، التي لها دور فاعل في الرواية ، ولا نرى مثلا  دورا بارزا للمرأة فيها ،سوى شخصية سعده التي تقوم بدور ثانوي في الرواية ، مع انه دور مهم يفترض إضاءته بشكل أفضل .

شخصية أبوعلي جاد الله تبدو منسجمة مع ذاتها أكثر من الشخصيات الأخرى ،حيث يصورها الكاتب على لسان أبو درويش القرمان صاحب المقهى  ، ويحدد ملامحها كالتالي :-

" شايف يا خميس هالملعون !!

الله لا يبارك له ... شوف هالكرش

وإلا هالراس

منفوح نفخ من دم العمال وعرقهم"

ولا تقتصر ملامح هذه الشخصية عند  الوصف الخارجي لها ،  بل جهد الكاتب في تبيان دواخلها وكشف مواقفها.

 وهنا من المفيد الإشارة ،  إلى أن رواية تايه لا تقتصر على بطل محدد بعينه  ، رغم حرصه على إبراز دور إسماعيل العجماوي وأبو شحاده وتقديمها على أنهما من القادة النقابيين في المصنع.

إلا أن مواقف هاتين الشخصيتين ظلا محكومين بالخوف في تحركهما ،  داخل المصنع  وخارجه ، وفي علاقتهما مع مدير المصنع الإسرائيلي ، الذي يصر دائما على تجاهل مطالب العمال العرب.

 أبو إسماعيل العجماوي وأبو شحاذه ،   يمكن اعتبارهما نموذجا للبطل السلبي المتعدد الوجوه داخل الرواية ، مع أن في هذه الرواية نماذج للبطل الايجابي ، مثل محمود خميس الذي لا يتوانى عن المواجهة في  سبيل الدفاع عن حقوقه ،ورد الظلم عن زملائه العمال والأطفال وتحريضهم على التباطؤ في العمل ، بل  ومواجهة أبو علي جاد الله وكيل العمل المحلي ورجمه بالحجارة.

رواية وجوه في الماء الساخن تقدم  حيلة  الإنسان الفلسطيني على الحياة ، ومقاومته للموت الذي هو نقيض هذه الحياة ، وقد جاءت الانتفاضة في ختام روايته كنتيجة منطقية  وطبيعية لهذه المعاناة ،  التي تراكمت على مدى سنوات طويلة من عمر الاحتلال .

وقد نجح تايه في تقديم صورة هذه المعاناة في قالب فني جميل ، و لولا معايشته لها لما استطاع التعبير عنها بهذه الدقة والدرجة الفنية الرفيعة ..



عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية