دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

كان إخوانه وزملاؤه  في الموقع  يتساءلون عن سر اهتمامه المفاجئ بهندامه الشخصي ، بعدما كان في الماضي يطلق لحيته ولا  يمشط شعره إلا نادرا وفي المناسبات  ،إلى أن جاء ذلك اليوم الذي زار فيه قائد كبير الموقع ، واخبره " أبو خالد "  عن رغبته في الزواج بعد أن تجاوز عمره الثلاثين عاما ، ولم يعد قادرا على احتمال حياة العزوبية  .

- ومن هي سعيدة الحظ ياابا خالد ؟

قال القائد ، فأجابه أبو خالد بخجل :

- أنها فتاة  سوريه من مخيم اليرموك

ابتسم القائد وقال مازحا :

.- من طين بلادك  حني خدادك ، كما  يقول المثل الفلاحي في بلادنا

 رد  أبو خالد بانفعال :

- وهل تريدني أن انتظر حتى نعود إلى  فلسطين  و أتزوج هناك  ؟

ضحك القائد وضحك المقاتلون من حوله ، فيما دلف أبو خالد إلى داخل المغارة وهو يندب حظه  وسوء الطالع  الذي قاده إلى ما هو فيه ، وجعل الآخرون يسحرون منه ، وخاصة عبد الله  البدوي المقاتل  الذي  لم يكن يشعر بالمودة  نحوه  ، وكان يلقبه ب"ديك الحبش " و يقول فيه أبياتا  على مسامعه مثل :-

ديك الحبش مقيل في الوادي.

ناظر  تايجيه شيخ الصياده .

قال  متمتما وهو يمدد جسده المتعب على السرير : -

- سوف  أوفر المزيد من النقود وأتقدم لحطبتها ، ولن أدعو هؤلاء لعرسي ...... لكن كيف سأوفر وراتبي لا يتجاوز السبعين ليرة سورية ؟  سوف اطلب من أهلي في نابلس إرسال نقود لي ....وستفرح والدتي عندما تعلم  برغبتي في الزواج  .

القائد يطالبني بالانتظار حتى عودةنا إلى  البلاد ؟

لابد انه يمزح  معي ؟

قال  ثم غط في نوم عميق بعد أن أعياه التفكير ،الذي  كان خلاله  يسترجع  مشهد وجه حبيبته  " سناء " التي تبتسم له عندما التفاها لأول مرة في سوق المخيم  ، فيفتر فمه عن ابتسامة .

 أصيب "أبو خالد " بعد ذلك  بمرض استدعى نقله إلى المستشفى  ، وبقاؤه فيه لمدة أسبوع  ، كان  خلاله يتوقع  أن تأتي" سناء   " لزيارته في المستشفى ، لكنها لم تأت ، وكان هو يجد الأعذار المناسبة لها :

- ربما  هي لا تعلم  بوجودي في المستشفى ؟

 وربما منعها والدها من الحضور ؟

وربما............؟

وربما............؟

لكنه علم بعد خروجه من المستشفي من احد أصدقائه في المخيم  ، أن الفتاة قد أجبرت على الزواج من ابن عمها  ،الذي تقدم لخطبتها  بعد موافقة والدها . فأصيب بصدمة  عصبية قادته إلى الجنون ، وراح يركل كل ما يجده في طريقه داخل الموقع وهو يصرخ قائلا :-

- يدي أتجوز......يدي أتجوز .

كان قائد موقع  الفدائيين الواقع قرب قرية مسيحية في شمال دمشق ،  يخشى من أن تؤدي  حالته النفسية المتردية  لى افتعال مشاكل مع المدنيين الذين يمرون من داخل الموقع ، وخاصة الراهبات اللواتي اعتدن المرور منه  في طريقهن إلى مزرعة الأبقار التابعة  للدير ، لجلب الحليب  والعودة إلى الدير مرة أخرى ، فأمر بمراقبته وإعفائه من الحراسة  ريثما يتم التحقق من حالته الصحية .

ووقع  بالفعل ما كان يخشى منه قائد الموقع  ، حين هاجم  " أبو خالد " امرأة  من سكان القرية  اعتادت المجئ  لأخذ الخبز الجاف لإطعام دجاجاتها ، وحاول اغتصابها داخل المغارة  لكن المرأة   قاومته ولم تمكنه من نفسها ، وعادت إلى البيت ممزقة الثياب ، فعرف زوجها بالأمر واتصل بالمسئولين عنه لإبلاغهم بما حدث .

قال القائد لزوج المرأة :

- خذ هذا المسدس وأطلق النار عليه إذا أردت .

فرد الزوج قائلا :-

- لا حرام بعدو شاب ، لكنه مخبول لا يدري ماذا يفعل

- إذن ماذا تريدنا أن نفعل ؟

- لاشئ  أرجو أن تبعدوه عن المنطقة ..

وجرى نقله إلى لبنان على أمل أن تتحسن حالته النفسية هناك ، لكنه بقي على  حاله  يركل  كل ما يجده في طريقه وهو يصرخ بقوة : يدي أتجوز ..........يدي أتجوز ..

وقع  الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 82  ولم يغادر" أبو خالد " موقعه  العسكري ،  وظل  ممسكا  ببندقيته وهو  جالس على سريره  تحت  الشجرة ، وحين أحاط به الجمود الإسرائيليون وسددوا بنادقهم نحوه وهم يصرخون به  قائلين :

- وقف وارمي سلاحك

فلم يلتفت إليهم  وظل ممددا على السرير ، وقبل أن يهموا بإطلاق النار عليه جاء  رجل عجوز من سكان القرية  واخبرهم بأنه  مخبول ولا يدري ماذا يفعل  .

 فتقدم منه احد الجنود  وانتزع  منه سلاحه ، ثم اقتادوه أسيرا إلي معسكر "أنصار" في حنوب لبنان، الذي كان يجرى فيه احتجاز مئات الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين .

*قصه ضمن مجموعة قصصية ستصدر قريبا للكاتب تحت عنوان " ناقة درويش وقصص اخرى 

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية