دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

البئر الأسطوري في نهاية ممر طويل متفرع من صالة الفندق ، تحيط بفوهته الاردواذية بحيرة صغيرة من الماء الساخن المندفع بسيولة حريرية ، فيبدو كساحر يحيل السراب إلي بخار دافئ يتجمع في سحب صغيرة تعلو رؤوس النساء المنسابات في الماء ، ويتلون مع حركة أقدامهن السابحة بطول حدود الحمام الزجاجية . وصوت الناي يخرج هادئاً من بين عُقل المزمار البلدي ، ويعزف جُـملاً ناعمة تشنف الآذان ، فتتلمس النساء أجسادهن ، ينشفنها ، وهن خارجات من الماء ، وينظرن تجاه السقف ، فيرين البدر بضوئه اللامع ، فيضحكن للعازف الأسمر المتمايل بعزفه الشجي .
*****
كانت ليلة البارحة أشبه بمراسم تتويج لملك ، الجاريات التففن حوله على اختلاف جنسياتهن ، كُلُّ تتقرب منه بطريقتها ، ولم يكن هو غير ملك فارع ، أسمر البشرة ، يقف في جلبابه الأبيض ، بأكمامه الفضفاضة ، فبدا في هيئته كرمحٍ آت من جنوب الاتجاهات الجغرافية ، ولم يكن تاجه سوى ذلك المزمار السحري ، الذي اشتبك بعقول النساء الأجنبيات ، فأصبحن ملاصقات له في صالة الفندق ، وهو يُخرج من جعبته مزاميراً صغيرة يبيعها لهن ، الواحد بخمسة دولارات ، فكان المشهد باعثاً على التأمل والضحك في آن واحد .
*****
الأرواح الهائمة التي ملأت الجو حولنا ، والنساء اللاتي فتحن مسامهن لدغدغة الصفير ، صرن منتشيات بصوت الطبول ، واندفاعهن تجاه الرجل العازف بالبوص ، اختلط الإيقاع في الرقص الممتد إلي آخر الليل ، حتى رسم الإعياء صورته على الوجوه ، وبات كل اثنين ملتفين ببعضهما ، حتى الصباح الذي حط ضوءه وبخر الليل في ضفائر الشمس المستحمة بماء البئر الدافئ ..
حدقت في كل الوجوه ، لم أجد أحداً .. اختفى أفراد الوفد من أمامي .. خرجت من الفندق ، أتمشى بين أشجار الآرز المحيطة بالمبنى الواقف وحده فوق التل المخروطي متوسط الارتفاع .
*****
أفضى بي المشي إلي المرمر المشبع بعروق الذهب وبريقه المنعكس في العيون الجالسة هنا وهناك ، رأيت ثلاثة من البنات القادمات ضمن برنامجنا ، كراقصات للفلكلور الشعبي ، رأيتهن فوق الجبل يمتزجن في غناء ومرح لم أعهده عليهن من قبل ، كانت عيونهن تلمع كأنهن خرجنا للحياة تواً .. كن يرمين أوشحة قيدهن وينطلقن بحرية ، يدغدغن عنق العشب المترامي على جانبي الطريق الصاعد إلي الجبل ببطء .. وعند القمة كانت كتل السحاب تعانقهن وتلقى لهن بقبلات لا تنتهي.
*****
حين وصلت إلي قمة الجبل ، تحولت السحب إلي بساط سحري ، أصابني ما مس البنات ، ففككت رابطة عنقي ، خلعت نظارتي ، تركت نفسي وتمددت فوقه ، سبحت في السديم اللانهائي ، والهواء الطازج يحف بأذنيَّ فأغفل مستمتعاً بذلك الانطلاق ، صحوت على صوت الثور وهو يحمل الكرة الأرضية على قرنيه ، ويلف بمكاني في اتجاه الليل ، فوجهت البساط إلي نجمة ضاحكة رأيتها من قبل من شباك الفندق ، انحنيت لها ودعوتها إلي جانبي ، فلمست يدي برقة ، أحاطت عنقي بضوئها ، فحملنا الحب على جناحيه وأدخلنا إلي كهف القمر .

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية