لا تهدوني زهورًا، فأنا أحبها!

أرسل إلى صديق طباعة
تقويم المستخدم: / 1
الأسوأالأفضل 

Image

 

حديثي قد يزعج المتفلتين و"المتڤلنتين" (نسبة إلى ڤالنتاين)، وقد يؤجج  بعض -أو كثيرا من- الآخرين، وسيزعج طبعا أساطين المتاجرة بالزهور ومَحَادلهم* التجارية. لكني ومن جانب آخر متأكدة أنه يعجب الحق والعدل والعقل، ويعجب النحل، والأهم من ذلك، يعجب الزهور نفسها!

أرجوكم، لا تهدوني زهورا! أعلم أنكم قد تندهشون وقد عهدتم في النساء حب الزهور، وإني لا أنكر ذلك. أحب الزهور، بل أعشقها شريطة أن تكون في تربتها، فإكرام الزهرة دفن جذورها وإبقاء أوصالها مستدفئة في بيئتها الأصلية. أمّا اقتلاعها وانتزاعها فليس من الإنسانية في شيء، بل هو الأنانية بعينها. أنقتل الزهور لنبتهج؟ أهكذا نحن معشر البشر؟ أيسركم أن تقول الزهور عنا أنّا قساة، عتاة، جبارون في الأرض؟ ألهذا استخلفنا الله؟ ألهذا حمّلنا الأمانة؟ ظلومٌ جهولٌ أيها الإنسان، ظلوم جهول أنت.


وقتلة الزهور هؤلاء ليسوا جددا على تاريخ العالم. فنزعات الإنسان التخريبية قديمة قدم حقد قابيل على أخيه هابيل، لكني لم أتصور أن هناك من المجرمين من يجيد تغليف وتزويق جثة قتيله، ويقلب المأتم إلى عرس، والمَغْرَم إلى غرام. والأسوأ أنهم يجعلون الزهور القتيلة من المتطلبات المسبقة للتعبير عن المشاعر. ولا أراها تعبر عن شيء سوى عن نزعة حاقدة مخرّبة.


قد يكونون تجارًا، أو أغرارًا غرتهم قوالب كالحة يجترها المجتمع وغرّهم بالله الغَرور. لا يهم من هم، فبضاعتهم مصيرها إلى كساد أن لم نتلقفها تلقفا حسنا، لكنْ آه، ما أحسن مقدرتنا على التلقف!


لوعدنا لفطرتنا السليمة لعرفنا كم أن الأمر مقبوح. فلو حاول طفلك قطف زهرة ليصلبها في مزهرية، أما كنت ستنهره حتى لو كانت في حديقة مملوكة لك؟  لم لا تنهر نفسك إذن حين تسهم في إزهاق أرواح تلكم الزهرات؟ أعدمت الإبداع أم استسهلت "الوضع القائم" الذي ألفيت عليه المجتمع أيها الإنسان؟


أوتعلمون؟ حسنًا يفعل أولئك الذين يضعون الزهور على أضرحة الموتى، فلربما كانوا يظنون أن الزهور التي تحتضر قادرة على مؤانسة الميت أو إيصال رسالة له فهي على شفير الموت واللحاق بعالم الموتى الذي هو فيه. قد أقبل هذه، لكن لا أقبل أن يدعي أحدهم الوصل عن طريق القتل.
حين كان الشاعر أمل دنقل على فراش الموت، يفيق تارة ويغفو تارة، كتب كلمات خالدة:


"تتحدث لي
كيف جاءت إلي
وأحزانها الملكية ترفع أعناقها الخضر
كي تتمنى لي العمر
و هي تجود بأنفاسها الآخرة"


"كل باقةْ
بين إغماءة وإفاقةْ
تتنفس مثلي بالكاد ثانيةً، ثانيةْ
وعلى صدرها حملت راضيةْ
اسم قاتلها في بطاقةْ!"



"هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِه". شكرا لكم أحبتي، لكن من اليوم فصاعدا لا تهدوني زهورا، فأنا أحبها!

_________________________

* محادل: مفردها محدلة وهي السيارة التي ترصص بها الطرق، وتسمى خطأ بالعامية بالمدحلة.

** مناسبة المقالة هي اقتراب يوم ميلادي وما قد يصلني فيه من زهور، أرجو ألا يظن أحد أني كتبتها لأني أتلقى زهورا من أحد لا سمح الله بمناسبة الفلتان الفالنتياني الذي يطل برأسه في منتصف هذا الشهر!

 

حياة الياقوت رئيسة تحرير دار ناشري




الاسم : حياة إبراهيم الياقوت

الجنسية: كويتية

كاتبة مستقلة ورئيسة تحرير دار ناشري للنشر الإلكتروني

تابع القراءة >>
هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته. الموقعFacebook

التعليقات (8)Add Comment
سمية الميمني
...
أرسلت بواسطة سمية الميمني , 07/02/2009
أهديك عزيزتي حياة

بـــــــــــــاقة كبيــــــــــــرة
من كلمات الشكر على مقالك الذي أعاد بي الذكريات إلى سنوات مضت
عندما كنت طالبة في الجامعة وكتبت مقالة في جريدة آفاق

بعنوان ( عندما تذبل الزهـور )

والتي كانت تتمحور كلماتها بنفس المفاهيم والافكار التي طرحتها في مقالك

فأنا أيضا أحب وأعشق الزهور ولكن في بيئتها

كل عام وانت بخير وصحة وعافية باقتراب يوم ميلادك وعسى ايامك كلها زهور وورود وبساتين من السعادة


حياة الياقوت
...
أرسلت بواسطة حياة الياقوت, 10/02/2009
شكرا لك عزيزتي سمية.
وحمدا لله أن هناك من يشاطرني الرأي، ولكِ الأسبقية في ذلك.
جزيتِ خيرا غاليتي وجعل اللم أيامك مكللة بالتوفيق دوما smilies/smiley.gif

فاطمة المطوع
...
أرسلت بواسطة فاطمة المطوع, 10/02/2009
الكون و ما يحتوي من جمال و منفعة هو تسخير من الله للإنسان حتى ينتفع و يتمتع به ... الورد لا يكون ذا معنى إلا إذا أهدىsmilies/smiley.gif مقال جميل بجمال الورود و كل عام و أنت بخير
عمر الدعجاني
...
أرسلت بواسطة عمر الدعجاني, 10/02/2009
أعجبني لقب "المتڤلنتين"smilies/smiley.gif
كل شيء في الدنيا يترك أثر ، ووالزهور لها أثرٌ في النفس التي تستقبلها ، يجب أن لا نتبع ما تتبعه الناس من الأخطاء، وهي ليست سوى أساطير نسجت في الماضي ليتبعها أجيال القرن العشرين ويستميون لأجلها ، عليهم أن يجعلوا كل أيامِهم وروداً وأزهارا ، لتزيد دافعية الانفس نحو الإيجابية ، ويكونون هم أنفسهم لا هم أنفس الآخرين ..
تحياتي ،،،
هنادي العتيبي
...
أرسلت بواسطة هنادي العتيبي, 12/02/2009
حروف برئية رائعة،على الرغم من محبتي الكبيرة للورود إلاّ
أنني لامست أحاسيسه هنا smilies/smiley.gif

بورك بقلمكِ،وكلّ عام وأنتِ إلى الله أقرب.
حياة الياقوت
...
أرسلت بواسطة حياة الياقوت, 16/02/2009
الأخت فاطمة المطوع:
شكرا جزيلا لك على مرورك العاطر.
والاختلاف في شأن الزهور لا يفسد للود قضية smilies/smiley.gif
حياة الياقوت
...
أرسلت بواسطة حياة الياقوت, 16/02/2009
الأخ عمر الدعجاني.
شكرا لك على تعليقك المثري، ووقاك شر المتڤلتنين. smilies/smiley.gif
حياة الياقوت
...
أرسلت بواسطة حياة الياقوت, 16/02/2009
الأخت هنادي العتيبي.
جعل الله أيامك كلها زهورا smilies/smiley.gif

أضف تعليقا
تصغير | تكبير

busy
 

» تسجيل الدخول

آخر التعليقات