دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.
لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة.
شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.
نظرات في الترجمة اللاتينية الأولى للقرآن الكريم لأنطوني بيم(1).
تأليف: أ. د. أنطوني بيم
ترجمة: محمد سعيد الملاح
التدقيق اللغوي: هبة العربي
في عام 1142 نظّم بطرس المبجل، رئيس دير كلوني، فريق عمل للقيام بأول ترجمة لاتينية للقرآن الكريم(2)، جنبًا إلى جنب مع وثائق تفسيرية. وقد قام كل من ماري تيريز دالفيرني (1948) وجيمس كريتزيك (1964) بوصف النص المترجم، والمترجمين، وطريقة الترجمة(3). وبقي أن ننظر، على أية حال، إلى الطريقة التي يجب أن ندرج فيها هذه الترجمة في عملية النقل الثقافي الأوسع من العربية إلى اللاتينية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وبخاصة فيما يتعلق بوضع النص المقدس. إن السياق الأوسع يتعلق بنوع رئيسي واحد من النقل، إن ما انتقل من المسيحية إلى العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر كان: "الحروب الصليبية".
فإذا كان الهدف المعلن للترجمة هو في الواقع تحويل الكفار إلى المسيحية، فلماذا كان على رئيس دير كلوني أن يترجم القرآن إلى اللاتينية، بدل أن يترجم الإنجيل إلى اللغة العربية؟ آمل أن أبين أن الإجابات على هذا السؤال يمكن أن تستمد من ثلاثة أنواع من الممارسات التي انتنقلت من العرب إلى العالم اللاتيني: صنع الورق، والمناظرات كوسيلة للتواصل بين الثقافات، والملاحظة كوسيلة لإنتاج المعرفة العلمية. هذه الإجابات ينبغي أن تساعدنا من ثمّ في وضع الترجمة اللاتينية للقرآن الكريم داخل حركة نقل واسعة جدًا، تشكك في الفصل الصارم بين أوروبا الإسلامية والمسيحية، كمشهد جانبي، وتوفر مفاتيح مهمة لفهم نشاط الترجمة المعروف باسم مدرسة طليطلة.

مع رغبة العديد من المجتمعات في أن تحقق التقدم المنشود لها، ينبغي الأخذ بثقافة التقدم والقضاء على الظواهر السلبية في المجتمع التي تعوق التقدم في الشارع، والعمل، والبيت، ومختلف الأماكن؛ فلا يمكن أن يتحقق التقدم المنشود في ظل ظواهر سلبية مثل عدم احترام النظم والقواعد، وعدم احترام خصوصيات الآخرين، وعدم احترام العمل، وإزعاج مستمر من قبل أفراد للآخرين، وتنشئة الأطفال على العنف، وعدم احترام الأفراد بعضهم لبعض، والتعامل غير المهذب بين أفراد المجتمع بشكل عام، واستغلال من قبل تجار أو سائقي سيارات أجرة أو حرفيين أو أي مقدم خدمة أوسلعة للمستهلكين أو طالبي هذه الخدمات للمستهلكين، وإلقاء قمامة في الطرقات، وفوضى باعة جائلين، وألعاب نارية يتم إطلاقها في أي مكان وأي وقت، وتعقيدات بيروقراطية، وإضاعة وقت الجمهور لتأدية خدمات صغيرة يمكن تأديتها عبر التليفون، أو الإنترنت، أو غيره من وسائل التكنولوجيا. ففي ظل هذه السلوكيات السلبية، لا يمكن توفير البيئة الملائمة للعمل، والإنتاج، والإنجاز، والإبداع، وانتعاش الاستثمار، والصناعة، والتجارة، والسياحة، والتسوق.
استهل عبد الوهاب المسيري مؤلفه ( اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود ) ، بمقدمة عبر من خلالها عن جدة الموضوع الذي سيتناوله، طارحا في الآن ذاته الهيكل العام الذي يستوحي من منجزه تصوراته في إطار مقاربة نسقية ، تتوخى إضفاء نوع من الوحدة والتماسك على مختلف الحقائق الثقافية المرتبطة بالظواهر الإنسانية. إذ ينطلق الكاتب في مقاربته من سيادة الاعتقاد القائل بأن هناك نموذج معرفي، بمثابة الإجراء التوليدي الكفيل بتفجير مختلف ينابيع البنى الرمزية التي يهبها الإنسان للظواهر. والنموذج برأي الكاتب هو ذاك الواحد الكثير في مرائي مراياه، الذي تنتظم وتصطف بداخله تلك التعددية وفق نوع من المعقولية الداخلية، يكون فيها كل من الإله والطبيعة قطبي الرحى أما مركزها فهو : الإنسان. فهذا الأخير عنصر التوسط الإلزامي من شأنه صياغة الواقع وفق بنية تصورية ترادف رؤية الإنسان للكون، تعكس هذه البنية نموذجا معرفيا من بين نماذج معرفية أخرى (من تصور الإنسان).
وفي إطار السعي الحثيث لتعقب هذه النماذج، ينطلق الكاتب من فرضية مفادها أن هناك ترابطا بين اللغوي والديني والنفسي، على اعتبار أن الصورة المجازية أداة للتعبير وللإفصاح عن رؤية الإنسان للكون من جهة، ووسيلة للانتقال من اللغوي إلى الديني (رؤية الإله) إلى النفسي (مضمون الإدراك) من جهة أخرى.
استهل عبد الوهاب المسيري مؤلفه (اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود)، بمقدمة عبر من خلالها عن جدة الموضوع الذي سيتناوله، طارحًا في الآن ذاته الهيكل العام الذي يستوحي من منجزه تصوراته في إطار مقاربة نسقية، تتوخى إضفاء نوع من الوحدة والتماسك على مختلف الحقائق الثقافية المرتبطة بالظواهر الإنسانية. إذ ينطلق الكاتب في مقاربته من سيادة الاعتقاد القائل بأن هناك نموذج معرفي، بمثابة الإجراء التوليدي الكفيل بتفجير مختلف ينابيع البنى الرمزية التي يهبها الإنسان للظواهر. والنموذج برأي الكاتب هو ذاك الواحد الكثير في مرائي مراياه، الذي تنتظم وتصطف بداخله تلك التعددية وفق نوع من المعقولية الداخلية، يكون فيها كل من الإله والطبيعة قطبي الرحى أما مركزها فهو: الإنسان. فهذا الأخير عنصر التوسط الإلزامي من شأنه صياغة الواقع وفق بنية تصورية ترادف رؤية الإنسان للكون، تعكس هذه البنية نموذجًا معرفيًا من بين نماذج معرفية أخرى (من تصور الإنسان).
كتبنا مرة في هذا الموقع مقالة بعنوان (القيم بين المنظور الكوسمولوجي والرؤية التاريخية)، فقلنا إن القيم كما تُفهم انطلاقًا من مرجعية فكرية حديثة ليست غايات مبثوثة في نظام الطبيعة، ولا هي شرائع إلهية حرفية محددة أزلاً وباقية أبدًا، بل هي مُثلٌ عليا علينا أن نسعى إلى تحقيقها، وإنسانيتنا رهينة بهذا السعي الذي يُحرّرنا من ضائقة الانتماءات ويُقرّبنا أكثر من رحابة المواطنة العالمية. لقد قلنا يومها إن الإنسان بعد الثورة الكوبيرنيكية أضحى مدعوًا إلى التشريع بنفسه لنفسه على الأصعدة السياسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية. القيم تقديراته هو ولا دخْل للطبيعة أو الخالق فيها. لنُنصت لكلام ثلاث شخصيات من أزمنة فكرية مختلفة بإمعان، عسى أن ندرك الفارق بينها في النظر لمسألة القيم ونقبض على التحولات التي مسّتها في الفكر الحديث.
1. حكيم من العصر القديم: كان الحكيم يُحدّث رواد حَلَقَته من عشاق الحكمة عن أمور السماء عندما جاء أحد عبيده مهرولاً وهمس في أذنه: «سيدي، إن الغوغاء قد عاثوا في المدينة فسادًا، فلا تدخُلْها حتى تهدأ الأمور ويُؤدب العصاة». قضى الحكيم بقية يومه متفكرًا مقارنًا نظام السماوات العجيب بعبث الأرض الغريب، وبهذه الكلمات ناجى نفسه: « ما أخطأت الطبيعة التدبير إذ أسْكنت الفانين قُمامة العالم مع الأجسام الثقيلة والمُسوخ، فهم لا يرعون حُرْمة لنظام العالم ونواميسه. البشر كائنات مشوهة، والخلطة التي رُكّبوا منها تقلب ترتيب الطبيعة فتجعل رؤوسهم في بطونهم وفروجهم، ومع أن أعينهم ترى الآفاق أنّى تطلعت فإنها مُنشدّة بحبال إلى أدران الأرض وغافلة عن كنوز السماء. ارفعوا أبصاركم أيها الفانون إلى الأعالي، وتأملوا البهاء والجمال والنظام. أنى وجّهتم بصركم سترون صنعة بديعة وتدبيرًا مُحْكمًا: فكل شيء في موضعه، ولا شيء يجور على مقام غيره. انظروا حولكم وستجدون حال لسان الأشياء كلها يُحدثكم عن عدالة الطبيعة وموازينها القسط وجمالها. اتّخذوها نموذجًا في تدبير نفوسكم واقتدوا بعدلها في تسيير شئون مُدُنكم كي تستقيم أحوالكم. كلما غفلتم عن ذلك اخْتلّتْ مُدنُكم وفسدت نفوسكم. أنتم في ورْطة يا ساكني القمامة، ولا نجاة لكم مما أنتم فيه من شرور إلا إن أمّرتم حكيما عليكم، إذ هو الذي أهّلته الطبيعة ليقودكم ويُحدث في مدنكم ونفوسكم نظامًا مماثلاً لنظام العالم.

كل يوم أكتشف أن الصورة الذهنية الجمعية عند بعض شرائح من مسلمي مصر عن المسيحيين، وعند بعض شرائح من مسيحيي مصر عن المسلمين، تمتلئ بالأوهام، وهذه الأوهام صنعت صورًا ذهنيةً سيئةً في معظم الأحيان، كما أن السينما والدراما التلفزيونية (التي تسمي نفسها واقعية) تقوم بمهمة غير نبيلة حينما تقوم بإعادة بثّ هذه المخلفات الثقافية الرديئة، دون أدنى محاولة لتغييرها، مما يعززها في نفوس معتنقيها، ولا يزيدنا إلا غرقًا في نفق مظلم من الصور الذهنية والأحكام المسبقة السيئة، والأحكام المسبقة المضادة من الطرف الآخر على السواء. لهذا كتبت هذا المقال، محاولةً مني لتصحيح هذه الصور الذهنية الباطلة، التي تكوّن جزءًا من التربة الثقافية للكراهية، والتي هي باطل لا أساس لها إلا الأوهام، ومنافٍ للإسلام تمامًا.
تسعى مختلف التيارات العربية المنتمية إلى إيديولوجيات مختلفة، إلى بلورة تصور متكامل للرقي بأوطانها ومن خلالها الرقي بالأمة العربية ككل، ونقصد بالأمة العربية الدول والكيانات التي تنتمي لثقافات المنطقة التي حكمها العرب منذ الإسلام خصوصًا بمختلف تنوعاتها الدينية واللغوية والاثنية والعرقية والطائفية والمذهبية...، وقد طرحت في هذا السياق عدة نظريات يمكن أن نجملها في تيارين رئيسيين، يضم الواحد منهما العديد من المرجعيات الفكرية والأطر النظرية، التي تتباعد أحيانًا وتتقارب أخرى، وهما التيار الحداثي الليبرالي وهو الذي لم ير بديلًا عن النموذج أو النماذج الغربية لتحقيق أي نهضة مرتجاة في عالمنا العربي ، باعتبار أن ما وصل إليه الغرب لا يمكن، بأي حال من الأحوال، الحياد عنه لمثاليته وكماله على مستوى الإطارات النظرية والتطبيقية التي نشاهد نجاحاتها بأم أعيننا في الأمثلة الكثيرة لنجاحات الدول الغربية، وفي مقالي هذا ليس الهدف نسف هذا الطرح أو إثباته، بقدر ما هو فتح باب لطرحٍ بديلٍ أو تكامليٍّ يمكن أن يسير إلى جانب الأطروحات الأخرى، والتيار الثاني الذي هو صلب اهتمامنا في هذا المقال هو التيار السلفي، والذي أريد أن أضع له تصورًا تصحيحياً سواء لدى المنتمين لهذا التيار أنفسهم أو لخصوم هذا التيار.
الصفحة 6 من 40