دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.
لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة.
شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.
يدور الحديث في هذه الأيام وفي غيرها من الأيام عن الحكم الشرعي لتولي المرأة الولايات ، في الدولة ( وزير ، مدير عام ، مرشَّحة في مجلس النواب ، ومرشِّحة له ... ) ويحتدم الخلاف حول هذا ، فمن مؤيد متحمس ، إما أنه لا يرى في هذا تنافيا مع الدين ، أو لا يهمه أمر كهذا ، ومن معارض .
وانقسم المعارضون إلى قسمين :
أحدهما : يعارض ؛ لأنه يرى في هذا تنافيا مع الدين ، ومخالفة لقوله ـ تعالى ـ : {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ، بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} . وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( لا يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة ) .
وثانيهما : يقول إن هذا يتنافى مع عاداتنا وتقاليدنا العربية التي ألفناها وارتضيناها .
ويبدو لي أن من احتج بالتقاليد والعادات لا كلام لنا معه ، ثم بعد هذا قد تكون تلك العادات والتقاليد صحيحة سليمة ، وقد يكون فيها شيء من الإجحاف . وفي الحالتين فإن هؤلاء لا يلزمون أحدا بتقاليدهم ، ولا ينسبون لدين أو فكر أمرا قد يكون غير موجود فيه ، والعادات متروكة للزمن . في تغيرها وثباتها .
هذا أمر ، وأمر الآخر الذي أريد طرح وجهة نظري فيه ليس جواز هذا الأمر إسلاميا أو عدم جوازه ، فأنا في هذا المقال لا أريد بيان حرمة هذا الأمر ، ولا حلّه ، وإنما الذي أريد بيانه هو : هل فيما أورده المانعون من نصوص ما يثبت التحريم ؟
الأول من أدلتهم : قوله ـ تعالى ـ : {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} . قالوا : والقوامة تعني الإدارة والقيادة ، فالرجل هو القائد ، لا المرأة ، وليس من المعقول أن يكون قائدها ورئيسها في المنزل ، ثم تكون قائدته خارج المنزل .
من المعلوم أن ديننا دعا أي تجمع أن يكون لهم رئيس يقودهم ، ومن ذلك قوله ـ صلى الله عليه و سلم
ـ : ( إذا خرج ثلاثة في سفر ، فليؤمروا أحدهم ) .
ولم يتدخل في تشخيص الأمير الذي يكون ، ولم يحدد جنسه ، وإنما ترك لهم اختيار من يرونه مناسبا لذلك ، فإن أحسنوا الاختيار كان لهم ، وإن كانت الأخرى فعليهم ، ولوا اختاروا مفضولا مع وجود الفاضل ، فلا بأس عليهم ؛ لأنه لا يشترط بالأمير أن يكون هو أفضل الموجود ، على الراجح .
لكننا نراه تدخل في قيادة المنزل ، وحدد المدير لهذه الشركة ، مبينا سببين لهذا الاختيار ، أولهما : ما تميز به الرجل على المرأة ، والثاني : الإنفاق .
إلاّ أنّ مما يجب التنبه والتنبيه إليه هنا أمرين :
أحدهما : أن القرآن الكريم لم يذكر أن المرأة غير صالحة لإدارة ، وإنما الذي ذكره أن الرجل في المنزل هو الأولى بالإدارة .
وثانيهما : أن قوامة الرجل إنما هي خاصة بما يتعلق بمصالح هذه الشركة الأسرية ، وما عداها لا قوامة له عليها ، ولا سلطان ، فلها شخصيتها المستقلة في الحقوق والواجبات والالتزامات .
وبناء على ما تقدم فإن قوامته في المنزل لا تناقض إمارتها عليه خارج المنزل , وهل هناك من يحرم على امرأة أن تكون في عملها في مركز أعلى من مركز زوجها ، أو يحرم على وزارة أن تضع امرأة مديرة ، ويكون زوجها فيها دونها رتبة ؟
الثاني من أدلتهم : قوله ـ صلى الله عليه و سلم ـ : ( لا يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة ) .
وهذا الحديث ورد عن رسول الله ـ  ـ عندما جاءه الخبر أن ابن شيرويه مات وتولت أخته بعده ملك فارس ، ذلك أن ابن شيرويه كان قد قتل أباه (كسرى الذي مزق كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ) ثم إن ابنه قتله ، ولم يدم ملكه بعد قتل أبيه سوى ستة أشهر ، ولما لم يكن له إخوة ؛ لأنه قتلهم ـ أيضا ـ طمعا في الملك ، كانت أخته بُوران على الملك بعده .
هذه هي قصة الحديث ، فهل نص الحديث خبر أو إنشاء ؟
قبل بيان المراد من الحديث لا بد من بيان أنواع الكلام عند علماء اللغة ، فهم يقسمون الجمل إلى خبر وإنشاء ، فالجملة الخبرية : ما لها نسبة في الخارج ، إن طابقتها كانت صادقة ، وإن خالفتها كانت كاذبة ، والإنشاء : ما ليس له نسبة في الخارج ، ولا يقال لقائله : إنه صادق أو كاذب . ثم الجملة الخبرية نوعان : خبرية لفظا ومعنى ، مثل : الجو صحو ، وخبرية لفظا إنشائية معنى ، مثل : قوله ـ تعالى ـ : {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} . فالآية في صياغتها خبرية لفظاً ، لكن المراد بها الإنشاء ، أي : ليتربصن . ولا يمكن أن تكون خبرية معنى ؛ لأنا نرى من النساء في العالم من لا يتربصن ، وحاشا كتاب الله أن يخالف الواقع .
وبعد هذا البيان فإن العلماء متفقون على أن هذا الحديث خبر لفظا ، إنشاء معنى ، لكن ما الإنشاء المراد هنا : النهي أم الدعاء ؟ فعلى افتراض كونه نهيا يكون معنى الحديث : ( لا تولوا المرأة ؛ لأن من ولّى امرأة لن يفلح ) وإذا قلنا : إنه دعاء ، فهو دعاء على القوم الذين أخبر عنهم بأنهم ولَّوا أمرهم امرأة . فالفرق بين الاثنين أنه على النهي يتضمن خبرا ، وعلى الدعاء لا يتضمنه .
وإذا كان حمل الحديث على النهي يجعله يتضمن خبرا فهذا الخبر إما موافق للواقع أو مخالف له ، فإن كان موافقا فهو ـ بعد صحة سنده ـ صحيح النسبة إلى رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم
ـ وإن كان مخالفا : إن احتمل التأويل أوّلناه ، وإلا حكمنا عليه بالوضع ؛ لأنا إن لم نفعل ذلك نسبنا الكذب إلى كلام رسول الله وحاشاه ـ صلى الله عليه و سلم ـ من ذلك.
يقول السيوطي : "إن من جملة دلائل الوضع ـ وضع الحديث ـ أن يكون مخالفا للعقل ، لا يقبل التأويل" . ( تدريب الراوي : 1 / 276 ) . ومن تأويله حمله على الإنشاء.
فهل هذا الحديث يناقض الواقع ؟
إنّ القرآن الكريم يروي لنا قصة امرأة أفلحت في قيادة قومها ، فإنه يقص علينا قصة امرأة تولت شؤون قومها ، وأفلحت وأفلحوا ، تلك هي ملكة سبأ التي جاءت قصتها في (سورة النمل) وهي قصة معروفة مشهورة ، تحدث فيها القرآن عن حكمة تلك المرأة وذكائها اللذين ظهرا على تصرفاتها منذ تسلمت رسالة سليمان ، واللذين تفادت بهما قتالا خاسرا مع سليمان ـ على رغم إبداء قومها من الرجال استعدادهم لذلك وقدرتهم عليه ـ وقادتهم إلى الإيمان بالله ـ تعالى ـ مع سليمان .
ولا أعتقد أن هناك من يجادل في هذا الفلاح ، وهذا النجاح الذي حققته تلك المرأة ، وإذا كان ما زعمته صحيحا ـ وهو كذلك ، إن شاء الله ـ فإنه من الخطأ الفادح أن نحمل حديث رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ على معنى يتضمن الخبر ؛ لأنه يستلزم نسبة الكذب إليه وحاشاه ـ صلى الله عليه و سلم
ـ من ذلك ، لأن الحديث يقول : (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) والقرآن يخبر بأن قوما أفلحوا بتوليتهم امرأة . ثم لا يجوز الحكم على حديث مثله بالوضع ، ما وجدنا إلى تأويله مخرجا .
والحديث له تأويل مقبول ـ فيما يبدو ـ يجعلنا نتفادى الحكم عليه بالوضع ـ لا سيما وقد صححه الإمام البخاري ، رحمه الله ـ وذلك بحمله على الدعاء ، لا النهي.
وحمله على الدعاء هو الذي يزول معه إشكال المخالفة ـ ولعل الإمام البخاري يميل إلى هذا ، فيما يبدو ـ لأنه أورد حديث (لا يفلح ...) متصلا بقصة إرسال الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ كتابه إلى كسرى ، وتمزيقه ذلك الكتاب ، ودعاء رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ أن يمزق ملكه ، والبخاري بفعله هذا ، كأنه يقول : إن هذا من تمام القصة السابقة ، يقول الحافظ بن حجر : (ومناسبة هذا الحديث للترجمة ـ إرسال الكتاب وتمزيقه والدعاء ـ من جهة أنه تتمة قصة كسرى الذي مزّق كتاب النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ فسلط الله عليه ابنه فقتله ، ثم قتل إخوته ، حتى أفضى الأمر بهم إلى تأمير المرأة ، فجرّ ذلك إلى ذهاب ملكهم ، ومُزِّقوا ، كما دعا به النبي صلى الله عليه و سلم) . ( الفتح 7 / 735 ) . فهو دعاء لاحق ، متصل بدعاء سابق .
هذا ما تبين لي من احتمال في هذا الحديث ، وهو احتمال ـ إن لم يكن متعينا ـ فهو قوي جدا ، ويُضعف الاستدلال بالحديث على ما يستدل به ، ولعل هذا هو الذي حدا ببعض علمائنا ـ وهم قلة ـ إلى عدم الأخذ بفهم الصحابي ، وعدم اعتبار الحديث دليلا ، فقد قال الحافظ بن حجر : (والمنع من أن تلي ـ يعني المرأة ـ الإمارة والقضاء قول الجمهور ، وأجازه الطبري ، وهي رواية عن مالك) . (الفتح 7 / 735) . واحتمال عدم علم هذين الإمامين الجليلين ، بحديث مثل هذا بعيد .
لكن ما الذي جعل جمهرة كبيرة من العلماء يحملونه على النهي عن تولي المرأة الولاية العامة ؟
ولعل الذي جعل الجمهور من علمائنا ـ رحمهم الله ـ يرجحون النهي ، ويذهبون إلى الاستدلال به على منع الإسلام تولي المرأة ـ هو راوي الحديث ، الصحابي أبو بكرة ـ رضي الله عنه ـ فإنه ذهب إلى هذا ، حيث ذكر أن الذي عصمه ـ كما عبر ـ من الالتحاق بجيش عائشة الذي قادته إلى البصرة ـ هو ما سمعه من قوله ـ صلى الله عليه و سلم ـ : (لا يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة) .
لدي نسخة من كليلة ودمنة ليست موجود عند أحد غيري ، وقلبتها هذا اليوم ، فوجدت فيها الحوار التالي:
قال كليلة : أسمعت ـ يا دمنة ـ بهذا اللعَّان ، الطعَّان ، صاحب الخيال الغريب ، والتنبؤات الكافرة الفاسقة؟ إنه رجل جسمه في لسانه، ولسانه في فضاء لا يحد ، وفضاؤه هو اللعن ، والطعن ، وترتيب الأخيلة ، وإخراجها مسرحية ، لا يلبث أن يناقض نفسه بمسرحية أخرى ، ويناقض المسرحيتين بثالثة ، وهكذا إلى ما لا نهاية .. ، وهو يتمثل قول القائل : ( طوبى لمن شغله شتم عدوه عن النظر في عيوبه !! ) . وقول الآخر : ( اشتم عدوك ، تنتصر عليه ) . وقول الثالث : (إياك والنظر إلى عيوبك التي دخل منها عدوك).
قال دمنة : لعل صاحبك هذا ـ يا كليلة ـ مضطرب العقل ، ممسوخ الفكر ، منحرف النظر ، فدعني منه ، ولا تشغلني بترهاته .
فتابع كليلة : إنه رجل لم ينظر يوما إلى نفسه في مرآة ، ولم يراجع حساباته في مصرف ، ولا أعماله التجارية في سوق ، ولا إنتاجه اليومي في مصنع ، ولا أولاده الصغار في منزل ، إن عيونه تسمرت نحو هدف ، فلا تتحرك إلى غيره ، ولسانه امتد إلى الطعن واللعن ، فلا يرده إلى فمه ، وعطل كل وظائف عقله التي وهبه الله ـ تعالى ـ إياها إلا وظيفة الكلام ، والنظر ، هذه هي مملكته التي كثيرا ما يتباهى بها .
قال دمنة : ألم أقل لك ـ يا كليلة ـ دعني من هذا ، ولا تستفزني ؟
فتابع كليلة ـ لا يلوي على اعتراض دمنة ـ : ما أجمله تراه متكئا على أريكته ، يرتشف شايه ، أو يدخن دخينته ، أو يمسح شاربه ، أو هو بالثلاثة يأنس ، فينبري ليقص على الحاضرين اكتشافاته في تحليل الأحداث ، وتقعراته في ليّ الوقائع ، وتخيلاته في تفسير ما يعيشه من نكد ، وهم ، وتخلف ، وضياع ..
دمنة ، غاضبا : كلامك هذا كله تعميم ، في تعمية ، في تلبيس ، كلامك هذا يثير غضبي ، ويسيل له لعاب فضولي ، ألا تحدد ، وتبين ، وتفصل ؟ ألا تضع الإصبع على النقطة ، والنقاط على الحروف ، والحروف على الجروح ؟ أما كفاك ما نفذ من صبري ، وما تصرم من أعصابي ، وما هاج من دمي ، وما اهتز من جسمي ؟ أم تراك تلعب بأعصابي ، وتطرب لتحرقي ، وتنتشي بتعذيبي ؟
مهلاً ـ يا دمنة ـ إن في تفصيل أحوال هذا الرجل أضعاف ما في التعميم عنه ، وإنّ ما هدفت إليه من التعميم محاولة مني لتهيئتك للموقف ، وتفاديا مني لما أتوقع أن تصاب به من دوار ، وتخفيفا عليك من هول الصدمة .
دمنة : قل : فما عدت آبه ، وما عاد حسي ينجرح ، ولا فؤادي يتفطر ، ولا عيوني تحول ، ولا .. ولا .. ولا.. ولا جدران بيتي وسقفه تسقط على رأسي .
كليلة : خسر تجارة في هذا اليوم .
دمنة : هذا أمر يجري له ولكثير من الناس ، فما الأمر ؟
كليلة : لقد لعن مياه البحر ، وعيون الأنهار ، وسواقي البساتين ، وكل موضع فيه ماء .
دمنة : ولماذا ؟
كليلة : إن تلك المياه هي التي حوت السمك ، وحملت الصيادين ، فصاد الصيادون السمك من البحر .
دمنة : ثم ماذا ؟
كليلة : وحين صاد الصيادون السمك ، وجلبوه إلى العاصمة ، ظهرت رائحته ، وانتشرت بين الناس .
دمنة : ثم ماذا هداك الله ؟
كليلة : وحين انتشرت تلك الرائحة ، عرفوا أن سمكاً في السوق ، وحين علم الناس أنّ هناك سمكا في السوق اشتروا السمك .
دمنة : لقد نفد صبري ، ثم ماذا ؟
كليلة : إن شراء الناس السمك أشغلهم عن شراء ما في حانوته من قماش .
قاتل الله البحر ، كم هو غدار كم من طفل أغرقه ، وسفينة امتصتها قيعانه ، وجواهر أخفاها مرجانه ، ولم يكتف بهذا حتى غدر بي ، وكسدت بسببه تجارتي ، وجاعت على شواطئه عائلتي ، وتاهت في أمواجه شراعاتي .
دمنة ـ ضاحكا ـ : بقدر ما يغيض هذا الرجل فإنه يضحك ، ولقد كنت أكذب المقولة الشائعة : ( شر المصيبة ما يضحك ) حتى سمعت ما يجول في خاطر هذا .
كليلة ـ مقاطعاً ـ : إنّ هذا الرجل يدعو على من ابتدع الهاتف ، واخترع السلكي ، واللاسلكي ، ويهيب بالناس أمثاله أن يؤمنوا على دعائه ، إن قومي هؤلاء ـ مع الأسف ـ نائمون ، وهم عن عدوهم غافلون ، وفي غيهم سادرون ـ وإنا لله وإنا إليه راجعون ـ إن نظرهم لا يتجاوز مواضع أقدامهم ، وتفكيرهم منحصر في أمعائهم ، إنّ صنع الهاتف كان مؤامرة دنيئة على أمتنا نحن (بني كسل بن خيال بن نيام) هم يريدوننا أن نستعمل الهاتف لنصاب بالأمراض في كل موضع من أجسامنا : مرض في الأرجل ؛ لأن الهاتف سيمنعنا السير لإبلاغ ما نريد ، ومرض الأيدي التي تمسكه ، والآذان التي تسمعه ، والأفواه التي تلقنه ، والمرض هنا يجر المرض هناك ، والمرض هناك ينتقل إلى مكان آخر ، وهكذا ... أرأيت خبثهم ؟ أرأيت مكرهم ؟ وإذا مرضنا لم نستطع محاربتهم .
قال دمنة : ثم ماذا ؟
قال كليلة : فانبرى آخر من ( بني كسل بن خيال بن نيام ) ليقول لصاحبه وابن جلدته : أنت لم تعرف السبب كله ، والخبث أجمعه !! إنك نسيت ما هو أهم ، إنهم يريدون ـ خلاف ما ذكرت ، وبه تجملت ـ أن نشتري منهم الدواء ، وأن نذهب إلى أطبائهم ، فهم أعاقونا جسديا ، واقتصاديا .
ثم انبرى ثالث من ( بني كسل بن خيال بن نيام ) فقال : لقد نسيتما أمراً غاية في الأهمية ، وبالغ الدقة ، ولعله لدقته لا يتنبه له إلا النبهاء ، الأذكياء ، الملهمون !! ـ فتزحزح الرجل ، وكان متكئا ، فجلس ، ومدّ يده نحو شاربه ففتله ، وأخذ كأسه فشرب ، فاشرأبت له أعناق ( بني كسل بن خيال بن نيام ) وتسمرت نحوه عيونهم ـ فقال : تعلمون ـ يا قوم ـ أن عمر أرضنا إلى زوال ، وأن الشمس تهرم وأنها إذا هرمت ستتحول إلى غول ، وستلتهم أرضنا في حدود سبع مليارات سنة ، وأنهم بدؤوا يفكرون بالعيش في كوكب آخر ، ومن الكواكب المرشحة للانتقال إليها المريخ ، وهو يعملون على حل بعض الإشكالات التي لا تساعد على وجود الحياة في المريخ ، ومنها : انعدام الأوكسجين والماء ، البعد ، البرودة .. .
وأنا أعتقد أن المريخ أصغر حجما من الأرض ، وهو لا يتسع لنا ولهم ، فهم يريدون أن يقضوا علينا ، أو أن يبقونا متخلفين ، حتى لا نزاحمهم المكان .
قال دمنة : لقد تذكرت ، إن لواحد من ( بني كسل بن خيال بن نيام ) مقولة مشهورة ، ذهبت مثلا بين الناس ، تتداولها الألسنة ، على مرّ العصور ، ذلك أن قوما من الغزاة ، فكروا في أضعف الخلق عقلاً ، وأشدهم عجزاً ، وأكثرهم نوماً ، وأطولهم لساناً ، فوجدوه في قوم هذا الرجل ، قوم ( بني كسل بن خيال بن نيام ) فغزوهم ، وأخذوا منهم ما يريدون ، وبعد مدة من الزمن زارهم جيرانهم ، وسألوهم عما جرى ، وانبرى أحد الجيران ، فسألهم : هل فكرتم بسبب اختياركم من بين بني الأرض ؟ هل عرفتم مواطن الضعف التي أغرت بكم عدوكم ؟
فقام أحدهم قائلاً : أرأيت هؤلاء الخبثاء كيف يتآمرون علينا ؟ إن الخرق الذي في طبقة الأوزون مؤامرة دنيئة منهم ، وإن .. ، فقاطعه رجل من الجيران ، قائلاً : ألست من ( بني كسل بن خيال بن نيام ) ؟ قال الرجل : نعم . فقال الرجل الجار : فإني أشهد الله ، والملائكة ، والعالمين : الإنس والجن : إنكم أبناء شرعيون لأولئك القائل : ( أوسعتهم شتما ، وأودوا بالإبل ) .
الصفحة 17 من 17